"المحبوب" من الكلمات
وقع بين يدي، في بيت إحدى الصديقات، كتاب قديم، من دون غلاف، يتحدث عن حكيم قديم، كان له قول مأثور، وهو أن الجملة قابلة لأن تكون صحيحة وكاذبة في الوقت عينه. فإذ تقول، كما قال هو تحديداً، وكما أقول بعده: "هذه الجملة خاطئة"، فهل يعني هذا أنها خاطئة فقط؟ ذلك أنني إذ أقول إنها خاطئة أقول الحقيقة كذلك؛ إذن، هي ليست خاطئة بالتالي.
ما يروقني في هذا الكلام، وفي الكتابة قبل ذلك، هو أن في هذا الخبر ما ينزع عن الكلام جانبه التوكيدي، الإثباتي، النهائي، الحاسم، الخلودي، ويجعل منه، في ذاته، حَمّال أوجهٍ، أي قابلاً لأكثر من احتمال. هكذا تكون الكتابة تتمشى، إن جاز القول، أو تسير في وجهات مختلفة في الوقت عينه، بمعنى أنها تنقل الخطى في هذه الجهة أو تلك.
أكتب هذا وأتنبه إلى أننا ربطنا الكتابة باعتقادية راسخة، بمقاصد للقول، نتوجه إليها مثل رصاصة إلى هدفها، فيما الكلام "يميل"، على ما كتبت ذات يوم. وهو لَعِبٌ قبل هذا وذاك، بما يربك رجال السياسة في الأدب، على ما أعتقد. يربكهم وحدهم من دون غيرهم، ذلك أن الكاتب يعرف – إذ يكتب، وهو يكتب – أنه يستعيد في الكتابة فعلَه الطفولي الأمثل، والذي قد يكون تفاعلياً مع غيره...
ولقد قرأت عن هذا الحكيم بعد وقت – وهو يوناني من جزيرة كريت القريبة -، أن والده طلب منه البحث عن نعجة ضالة، فضاع بدوره، ولجأ إلى مغارة، ما لبث أن نام فيها مدة سبع وخمسين سنة، وما أن استيقظ، استمر في البحث عن النعجة، كما لو أنه نام لساعات محدودة، وإذ لم يجدها، عاد إلى حقل أبيه، فوجد أحداً قد اشتراه، فانتقل إلى المدينة، وإلى بيت أبيه، فوقع في حرج مزيد، وقد سأله أقاربه عن غيابه المديد، والتقى بأخيه الأصغر فإذا بلحيته قد ابيضت... حار أهل المدينة في أمره، حتى أنهم ظنوا بأنه "محبوب" من الألهة، أو أنه من نسلها.
هذا "المحبوب" هو الشاعر في ناظري، الذي يدرك قبل غيره، أو أفضل من غيره، أنه لا ينقطع عن البحث، عما ضل أو تاه، فيما هو يكتشف ويرود ويتحقق ويحلم بجريان مختلف للأيام وللمشائين الكثر فوق هذه الدروب.
هذا "المحبوب" هو الشاعر طالما أنه لا يتوانى عن البحث، عن استكمال ما بدأ به، هو أو غيره، أو هو مع غيره، على الرغم من وفاة الوالد (الذي كلفه بهذه المهمة) منذ زمن بعيد. استمر كما لو أنه كان يستريح وحسب، حتى أن غيابه بدا مثل إغماضة عين، مثل إغفاءة، ليس إلا. وما يحركه في سعيه هذا هو أنه يتحقق من تفاوت، من تباين، بين ما كان عليه ما يعرفه وما ينتهي إلى ملاحظته، كما لو أن الزمن جرى فعلاً بعيداً منه، بمنأى عنه...
هكذا تكون قد تجمعت مصادر ينبوع الدهشة. وهذا ما يمد الشعرَ بمياهه الجوفية، التي تغور ولا تلبث أن تظهر بين الكلمات؛ وهو "ماء" الشعر الذي تحدثت عنه العربية القديمة؛ وهو ما يجعل القصيدة تظهر مثل فعلٍ نافر انبثق للتو، فيما هو غارق في قِدمه، بحيث ينبثق بقوة صاعقة ماؤه الانفعالي.
لكنني أتساءل، اليوم: أَقرأَ هذا الحكيمُ كتابَ أرسطو الذي قال فيه إنه "ليس هناك من فن يتمثل في فنه حالة فردية محض"، ما جعله يميز بين الشعر والوقائع؟ ذلك أن أرسطو يميز بين الشعر، لكونه "فناً" بطبيعته، إذ يتمثل مجازياً "ما له أن يكون"، فيما تنهل الوقائع "مما جرى"، وهي ليست فناً بالتالي، وليست لها صفة جمالية، أي قابلة للتعميم.
أتساءل ذلك أنه قد تصبح استعارةٌ بحجم كون. وهو ما يَعِدُ به الشعر، وما يفعله أحياناً، إذ يمضي بالكلمات إلى حيث لم تكن، ويجعلها تبني ما لم يكن معروفاً أو منظوراً إليه.
أتساءل ذلك أن "المحبوب" من الكلمات يقطع مع الزمن، أو يُسرِّعه، يتمدد في أراجيحه أو يسابق به، أو يعلو به مثل منطاد. ذلك أن الشاعر قد يقطع نَفَسه لكي يجعل هذه أو تلك تمر، أو تنزل فوق ورقته، أو قد يتوقف عن هذا الفعل أو ذاك لكي يُنعم النظر في فتنة البياض، في معمار السكينة المختلية بنفسها كما في مغارة.
(23-8-2008).