أللقصيدة بالنثر مستقبل؟

 

 

هذا ما يمكن أن يتساءله المتابع، بعد انقضاء مؤتمر "قصيدة النثر العربية" (19-21 أيار-مايو 2006)، الذي نظمته الجامعة الأميركية في بيروت على مدى ثلاثة أيام، بمشاركة لبنانية وعربية، تقدمها رائد هذه القصيدة الشاعر أنسي الحاج. وهو سؤال لازم، لكن الجواب عنه غير ممكن طالما أن المشاركين فيه زادوا مثلما نقصوا: فهناك شعراء-نقاد حضروا من دون لزوم لحضورهم، لا بمعنى الحكم عليهم، وإنما لأنهم يندرجون في مقترب شعري ونقدي كان له أكثر من مشارك في المؤتمر، فيما غابت بلدان ومناطق عربية بكاملها، مثل بلدان الخليج العربي المختلفة وبلدان المغرب العربي كلها، ما يعد نقيصة فادحة، خاصة إذا علمنا أن هذه القصيدة تحظى بحضور حيوي بل شديد الدينامية في هذه البلدان بالتحديد.

وهذا ما يمكن قوله في عدد من المشاركات، إذ غاب عديدون من دون أن نفهم سسب مشاركتهم، ولا سبب غيابهم، عدا أن عدداً من الموضوعات تنكب دارسوها عن درسها مثلما اقترحتها عليهم اللجنة المنظمة للمؤتمر : فأتوا إلى المؤتمر لكي يقولوا لنا امتعاضهم فيما كان بإمكانهم الاعتذار أو الالتزام وحسب. إلى هذا قام بعض المشاركين بالتهرب من التزاماتهم بأن طالبوا غيرهم – في كلمتهم – بتنفيذها بدلاً عنهم... فيما وجد عدد آخر في رفع التوصيات بدل البحث أو الشهادة طريقة في التملص الملطف، عدا أن بعضهم الآخر أفاض في عرض أحوال هذه القصيدة في ... فرنسا، من دون أن يكلف نفسه عناء فحصها النقدي في عالم العربية (مكتفياً بالتالي بملخصات فرنسية معروفة حتى في الكتب المدرسية للشهادة الثانوية).

ومع ذلك أصاب المؤتمر بعض النجاح، خاصة وأنه انعقد للمرة الأولى. وقد كان مناسباً عقده في بيروت، المدينة التي احتضنت هذه القصيدة وشعراءها منذ انطلاقتها، فأفردت لها صفحات جرائدها، وأوراق مطابعها ودور نشرها، ومنتدياتها الثقافية المختلفة. بل أكثر من ذلك "تصالحت" في بيروت القصيدة بالنثر مع قصيدة التفعيلة، وهو ما لم يتحقق بعد في أية مدينة عربية أخرى.

تشعبت موضوعات المؤتمر وتنوعت، بين تواريخها وقضاياها وتجاربها المختلفة. وبدا جلياً بأنها تفتقر إلى درس جاد ومتعدد الجوانب لها. فقد اقتصر الكلام عنها في المدونات المختلفة في السجال حولها من دون فحص نقدي لها، لا من منتقديها ولا من المدافعين عنها. ولقد تبين في المؤتمر أن فقدان الدرس المناسب لها يعود، من جهة، إلى ممانعة ثقافية وشعرية لا تزال تقرن القصيدة بمستوياتها كلها بالعروض وحده، كما لو أنه المراقب الحدودي عند الدخول إلى نطاق الشعر. كما يعود فقدان الدرس لها، من جهة ثانية، لصعوبة درسها: فلقد انحصر النقاش سابقاً، بل السجال واقعاً، حول ما إذا كانت القصيدة بالنثر من الشعر أم لا، فيما علينا ان ننظر إليها، واقعاً، في حدود النصوص والأنواع، على أنها كتابة، فيها من التخييل والسرد، ومن الوزن أو الإيقاع مقادير ومقادير. القصيدة بالنثر لا تتعثر (أو تنجح) في دخول مملكة الشعر، وإنما "تبلبل" غيرها، في الشعر وغيره، حيث أنها قد تستعيد قسماً من عنصر بنائي (واقع، على سبيل المثال، في نسق السرد أو التخيل) فتؤكده في مدى القصيدة وقد تعدمه بعد عدة سطور (أي تتخلى عنه). مثال آخر على ما أقول: قد تقوم القصيدة بالنثر، على سبيل المثال، باستعمال نسق إيقاعي في مطلع كل سطر يقوم على تكرار لفظ واحد (أو تركيب لفظي بعينه) سطراّ تلو سطر، ثم لا تلبث أن تبطل هذا التكرار. أي هي توجد نسقاً وتسقطه في اللعبة ذاتها، ما يبلبل دائماً معالم التعرف الدائمة والمتسقة على هذه القصيدة.

لهذا أقول عنها إنها شكل منصص في صورة فردية، ما يلغي أية قيود وحدود مسبقة ومعلنة، وتنتفي بذلك أو تتعثر مجالات المراجعة الميسرة والتأكد السريع من الجماعة، عبر "قضاتها" النقديين خصوصاً. وهي كذلك شكل منصص، بل اجتهادي، في صورة مفتوحة: ألا يمكننا القول إن النظم يعني التحكم المسبق، وتعني القصيدة بالنثر التحكم اللاحق، ما يعزز فيها العناية الأقوى بالصورة, وبالنظم كذلك، ولكن بمعناه التركيبي؟ ألا نرى في التشكك من القصيدة بالنثر الخشية من تغييب أية مرجعية مفروضة (خاصة البحور)، وبالتالي أية سلطة؟ غير شاعر وناقد، وفي غير ثقافة، شكك أو نظر نظرة المرتاب إلى القصيدة بالنثر، حتى أن الشاعر الفرنسي اندريه بيار دي منديارغ وصفها بالقصيدة "الغامضة" أو "الملتبسة". إلا أن مصدر حيرتها هو مصدر قوتها كذلك وتعددها، وتجدها فوق مساحات الأوراق قبل قياسات العروضين. إلا أن ما يقلق في موضوعها يتعدى هذه الحرية التي يطلبها بعض الشعراء (أو يتنكب عن أخذها غيرهم من النظميين)، وأصوغه في هذا السؤال: نصون مع الوزن الحصن الأكيد للتقليدية، ولكن هل نصون أنفسنا فعلاً؟

لهذا قد يكون الجواب المناسب عن سؤال مستقبلها يتعين في بنيتها الفنية، ولكن أيضاً في تلقيها من جمهورها، إلا إذا اكتفى شعراؤها بكتابة القصيدة وحسب، غير عابئين بخارجها، واجدين في ذلك متعتهم النهائية والأكيدة.

(22-5-2006).