القصيدة بالنثر تشيخ


أضع لعطلة الصيف خطة قراءة: منها ما أطلبُ بل أستعد لقرائته خلال السنة الجارية وأفرد له وقتاً ممدوداً في العطلة؛ ومنها ما يتجمع فوق مكتبي من كتب-إهداءات، يتراكم بعضها سنة بعد سنة، مما يصلني في أسفاري أو عبر البريد العادي كما الإلكتروني. من هذه الأخيرة عدت إلى مجموعات شعرية لشعراء لا أعرف إنتاجهم السابق من قبل، وغيرهم ممن أعزز معرفتي بهم. والقراءة فيها مفاجآت، سارة ومخيبة.

إلا أنني، هذه المرة، جربت طريقة جديدة في القراءة، وهو أنني طويت غلافات المجموعات، ورحت أقرأها من دون اسم صاحبها. وإذا بي أتحقق، في أحوال كثيرة، من أنني أقرأ النص نفسه، بل النموذج عينه، ولا سيما عند شعراء "القصيدة بالنثر" (كما أستحسن تسمنيتها)، حتى أنني خلتُ نفسي أمام قصيدة ممتدة، تنتقل بخفة من هنا إلى هناك، ما يجعلها مريبة في ناظري.

أتحقق فيها من غلبة طريقة في الكتابة، مكرورة، مستعادة، فيما يظن كل شاعر، من دون شك، أنه "يبتدىء" نوعاً في كتابتها. وما يغيب فيها هاجسُ التجديد الذي طالما وسمَ كتابات روادها، ويختفي عند الجدد فيها ممن يستسهلون كتابتها، بحجة الكتابة عن عالم "يومي"، ليس إلا. وما كان جاذباً في هذه القصيدة قام في قلقها البنائي، إذا جاز القول، لا في ارتخاء العبارة، وسلاسة المبنى، وتقليدية الشكل، حتى أن هذه القصيدة باتت قريبة، في قسم كبير من نصوصها، من تدوين لكلام شفوي في منطلقه.

وما كان جاذباً في فضائها التعبيري تعيَّن في "مدنيتها" الهامشية، لا في ما آلت إليه من شعر نرسيسي النبرة، يضيق بكلماته في أول شارع. وما يسميه البعض "فيض الخاطر"، أو "صدق النفس"، لا يعدو كونه إعلاناً عن النفس، يكرر ما هي عليه، بما فيه صورتها الافتخارية، الترويجية، التي لا تخفي منبتَها التقليدي. وهو ما تسهله كذلك المباني الغنائية للقصيدة، حيث أنها تسوق الكلام عن النفس، بل تغنيها، وإن في مجال سلبي أو ضدي.

لهذا أجد بأن هناك إرثاً متمادياً من الرومنسية مستمرٌ في قصيدة تخيلَ أصحابها أنهم باتوا بعيدين عنه، فيما هم يجددونه من حيث لا يدرون واقعاً. فكيف إن تفاعل هذا الإرث الرومنسي مع منطق "فحولي"، "زعامي"، "قَبَلي"، ناشط، سواء في المباني الشعرية الموروثة، أو في التعيينات السياسية والاعتقادية للتصدر والتكلمِ باسم "الجماعة"، سواء أكانت تعني المضطهدين أو الفقراء أو "الشعب"!

طبعاً، خرج الشعر من اجتماعية رتيبة، قديمة، مكرورة، إلا أنه وقعَ في اعتدادية مفتونة بصنيعها، بوصفها مالكة الكلام، بل الحق في الكلام. فالشعر، بل الشاعر، لا يثير سؤالاً، أو شكاً، في ما يقول، في ما يُقبل عليه، بل يتقدم الكلامَ والكلماتِ مثل خطيب فوق منبره، مشرفاً على الكائنات. وهو ما يحفظ العلاقة القديمة بين الشاعر على أنه خطيب (أو متكلم في مجلس أو بلاط) وبين القارىء على أنه مستمع صاغر.

هناك من الشعراء من كتبوا، ومن يكتبون، لقارىء بعينه، أي أنهم يتمثلونه فيما يكتبون، على أنه جالسٌ أمامهم، ينتظرهم لسماع ما كتبوه له. وهو قارىء في هيئة مستمع واقعاً، ويدرك في الغالب أنه يجلس للاستماع مع غيره، لا وحده في جلسة انفرادية (مثلما يتطلب الكتاب أساساً). هذا ما شددتُ عليه، وما تبينته في عدد من دراساتي، وهو انبناء علاقة جديدة لاجتماعية الشعر في بلادنا، لا ينقطع فيها الكلام الشعري عن القول، عن المخاطبة. وهو ما يظهر في التوجه إلى "مخاطَب" اجتماعي، معين سلفاً، سواء أكان الحبيبة أو المناضل أو "الشعب" وغيرها؛ وما يظهر أيضاً في الموضوعات التي يطلب الشاعر تناولَها، حيث أن القارىء-المستمع يبدو شريكاً لازماً في القصيدة، قبل إنتاجها، وعند تلقيها طبعاً. هكذا تفع على شعراء يتحدثون عن التمرد بلغة وثوقية، وعن الهامشية بلغة تصلح للرسالات الخالدة.

ذلك أن القصيدة الحديثة، بأنواعها المختلفة، باتت شديدة التقليدية، حصينة خلف رجعيتها المقنعة. وهو ما ينتبه إليه قارىء الشعر حالياً، إذ تتوزعه أساليب رائجة لا تعدو كونها التأكيدَ العلني لتقليديتها ولاتباعيتها. لهذا ترى الشاعر يصدر في هذه القصائد لا عن نفسه، مثلما يقولون عنه، أو مثلما يقول عن نفسه، وإنما عن "نموذج" لصورة شعرية يريدها للشاعر الذي هو. إنه يُعلن عن نفسه، يروج لصورته كمتكلم ممسكٍ بناصية القول، فتراه - وإن تحدث سلبياً أو ضدياً - يبقى متصدرَ الكلام، ومنفوخَه.

أتشيخ القصيدة فعلاً؟ هي كذلك. لكنها تتجدد أيضاً، بضربات أخرى، وفي تجارب أخرى.

(31-8-2008).