الصياد والعطر والقصيدة
دائماً تأتي الكتابة بعد.
لهذا أطلب من القصيدة أن تحملني، لا أن أقودها. أن أمشي فيها مثل "المُرَوْبِص" في أحسن الأحوال.
إنه الانغماس فيها، بما يسمح ببناء صورة، لا بما يتيح رسماً لها. فالبناء هو ما للقصيدة أن تنتهي إليه، بشيء من الغفلة ذات المحركات والدوافع والتوثبات الخافية على صاحبها، بينما يقوم الرسم على مخطط، على تتبعٍ وتقيدٍ وطلبٍ للحاقِ بما أتى قبل ذلك، أو بما نسعى إليه (على أنه نموذج مسبق).
تحملني القصيدة، فلا أسوقها: إلى حيث لها أن تتمهل في مشيها، أن تدور دورة كاملة حول ما يستوقفها، مثل نحات أمام تمثاله، وأن تستوقف تنورةً مقلوبة فوق حبلِ غسيلٍ ممدود بين رغبة ورغبة؛ تستوقفها بما يشغلُ بياضَها، أو فراغَها، أو هبَّة الهواء العاصف فيها، فلا أفرَغُ منها قبل أن يستكين القماش إلى عتمته مثل ستارة الفراغ من المسرحية، من اللهو الناشب في أطراف الحروف، في أطراف أكثر من صنارة، حيث أن لكل واحدة منها طُعماً، ولها أكثر من منارة تنتقل بأنوارها من بقعة إلى أخرى.
لهذا أسأل: ألهذا الشجر أوتار، أم أن للأصابع براعم تتفتح بمجرد سماع عطرها؟
عطرُ من غادروا قبل أن يبللوا المقعد الخشبي فوق رصيف القطار بدمعِ أنهما لن يلتقيا بعد اليوم.
عطرُ من يتحسسون المقعد بهناءة الأعمى في أمكنته الأليفة، فلا يبكون، ولا يضحكون، ولا يثرثرون، بل يغتسل الواحد في عيني الآخر، إن شاء؛ أو يشرب منها إن عطش، أو يعومان معاً في ماء ما يستقبلهما فوق تخت البهجة.
عطرٌ له طعم الحروف من دون أن تُلفظ، وشكلُ القبلة من دون أن تُذاق...
تحملني القصيدة إذ أتعب، وتُعيد إمساكً يدي إن لهوت عنها بها.
فالصياد، إذ يذهب إلى الصيد، ينتقل إلى الغابة، وإلا لكان اصطاد طرائد محنطة فوق أغصانها.
الصياد لئيم، لا يأنف من معاودة إطلاق الرصاص بمجرد اهتزاز أي غصن. وهو – بخلاف ما يظن كثيرون – لا يُحسن التهديف، بل المشاغلة. وليس له حرس لكي يتبعوه وينصبوا له المكائد، ولا خدمٌ لكي يتفقدوا طرائده البعيدة مثل القريبة. أما الأدهى من ذلك فهو أنه لا يذوقها إذ يعود...
هكذا يبقى العصفور في الغابة من دون صياد.
هكذا يُولم العصفور للغصن، والصياد، والرصاصة، والهواء، من دون أن يشارك في الوليمة. إذ أنه يدعو ويتثاقل في السقوط، من دون أن يقع.
هكذا يتساءل الصياد: هل الصيد للأكل، للحاجة، للنظر وغيرها؟
هل المتعة في الصيد أم في الطريدة؟
هل أكتب لكي أسافر؟
هل أسافر لكي أكتب؟
سيّان، أياً كان الجواب:
بارودة لها مسارا تهديف، وفي آن معاً.
لذلك تكون القصيدة لنفسها واقعَها الأكيد، قبل أن تكون للعصفور، والغصن، والصياد.
تكون القصيدة للعطر الذائع من خيالاتها قبل أجسام وهيئات حروفها، طالما أنها تحيل على ما ينبني فيها، كما ينبني فيها.
القصيدة هي لنفسها مرجعُها.
(27-9-2008).