أكتب إذ أرى
هذا ما كتبته قبل سنوات، في قصيدة، من دون أن أتبين تماماً حقيقة ما أكتب. إذ أن الشعر في اندفاعته ينقطع عن التفكير، إذا جاز القول، وينساق إلى إمالات الكلام، أي ما يسبقه وينتظره في منتهى الجملة والقصيدة. إلا أن ما كتبته في تلك القصيدة لم يكن انبثاقاً فجائياً، وغير مسبوق، إن جاز القول، وإنما كان مما أهجس به وأنساق إليه بشكل واع ولاواع في آن. وأنا إذ أعود اليوم إلى تلك الجملة، لغرض في نفسي، فذلك لأنني وجدت فيها مجالاً لتفكير فيما يتعدى القصيدة، وفيما يتعدى كتابتي نفسها.
فلطالما استوقفتني، منذ دراستي في الثانوية العامة، قصائد لابن الرومي، بل ما زالت تحيرني حتى اليوم. وهي قصائد يصف فيها "العنب الرزاقي" أو "الزلابية" وغيرها مما لم يكن يندرج في استهدافات الشعر المقرة والمعهودة، وإن كانت قصائده تندرج في الوصف. كان يتم تفسير قصائده لنا بأنها "طريفة"، أو بأنه كان "متطيراً" (أي متشائماً)، ما يفسر غرابة بعض مواقفه وأشعاره. إذ كان يصعب على دارسي الشعر ومفسريه أن يفسروا ما كان خروجاً على عمود الشعر، من دون شك، فينسبونه إلى سلوكات "شاذة" بالتالي. إلا أن النقاد والمفسرين أنفسهم كانوا يستطيبون، بالمقابل، ما قاله في رثاء ابنه الأوسط، أو في تغنيه بجمال صوت المغنية وحيد، "التي تغني كأنها لا تغني"، من فرط حلاوة صوتها وطلاوته وعذوبته. فكيف يتهيأ للشاعر نفسه أن يكون غريباً وطبيعياً في آن؟
لست في معرض التصحيح المتأخر لأساتذتي، ولا في معرض التقدير المتأخر لابن الرومي (وإن يستحقه في أي وقت)، وإنما أتوخى من هذه الوقغة الذهابَ أبعد في فهم "حساسية" الشاعر ومحركاته، الذي له أن يعيش بكلية حواسه ما لها أن يكتبه. وهو ما تحصل لابن الرومي، إذ فقد ابنه، أو استعذب سماع صوت المغنية، أو شده مرأى الألوان والأشكال في "أحدب" أو في من له "أنف طويل" (مثل عمرو)، أو في غيرها من الوضعيات التي استثارت عينه الرائية والمنبهرة واليقظة. وابن الرومي في ذلك "ذواقة" أكيد، بل "ظريف" من الظرفاء، حسب لغة أهل العصر العباسي: يذوق بحواسه كلها، سمعاً وبصراً وشماً وغيرها، ما يجعل أسباب الشعر قائمة ليس في طرق وأغراض معهودة ومقرة، وإنما في ما يستعذبه الشاعر ويستثير انفعاله، ويطلب بأن يشاركه المتلقي مثل هذا الانفعال.
وفي ما عايشه ابن الرومي، وفي ما كتبه، درسٌ جمالي وفني راهن، على ما أرى، ويجدر بفناني اليوم، من شعراء وتشكيليين وغيرهم، أن يفكروا فيه، مثلما انتهيت بدوري إلى التفكير فيه. فما يسترعي انتباهي هو قوة التقاليد التي نتقيد بها في نطاق الفنون، قديماً أو حديثاً، بحيث لا نقوى على الفكاك منها، بل نتحول بمجرد اعتمادها إلى حراس متشددين ومستجدي التقليدية.
وهو ما يصيب شعرنا الحديث في صورة مزيدة، بما فيهم من يظنون أنهم شديدو التجديد لمجرد اعتمادهم على هذا الشكل الشعري أو غيره. وهو ما يصيب بعض شعراء "القصيدة بالنثر" ممن يخالون أنفسهم مجددين بمجرد استعمالهم لأنماط وطرق تعبير سبقهم إليها هذا الشاعر أو ذاك، غافلين من دون شك عن أن الشعر الحديث، مثل الفن الحديث، يقوم على الاختلاف والمباينة، ولا يقوم على الاتباع.
بهذا المعنى تجد البعض من الشعراء الشباب بعود إلى بعض نماذج الخمسينيات من الشعر العربي الحديث: منهم من يعود متأثراً بقصيدة محمد الماغوط، أو بقصيدة أنسي الحاج، أو بـ "الشعراء التموزيين" الذين طلبوا العودة إلى أقنعة الأساطير... وبهذا المعنى أيضاً جرى استهلاك صور "الهامشي" و"الصعلوك" و"الغريب" وغيرها من كنايات الشاعر الحديث...
أليست هذه التقليديةَ المستجدة؟
أليس هذا الابتعادَ عن حيوية الحياة بوصفها نبع الشعر نفسه؟
(24-3-2007).