بين السياسي والشاعر: الجسد التوأم


يستوقفني في درس الشعر ما يستوقفني في معاينة السياسة، بل أتساءل: أهناك اختلافات أكيدة – وفق ادعاءات الشعراء وكتاباتهم وتصريحاتهم – بينهم وبين رجال السياسة في بلادنا؟ وهو سؤال أريد منه التنبه إلى ما درسته في نطاق آخر، وهو الفنون، عندما تحققت في الفنون القديمة، الفرعونية على سبيل المثال، من وجود "جسد ثان" للحاكم، مثل الفرعون، يظهر به على غيره، بل لا يظهر من دونه، حتى في نواويس الخلود. وهو ما يمكن الحديث عنه في "فن الأبهة"، أو الظهور.

القصيدة للشاعر هي جسده الثاني، مثلما هي الثقافة لأي مجتمع متقدم. هذا ما يؤديه المصرف بديلاً عن الخزنة الفردية في البيت. وهو ما تؤديه اللوحة (في ودائع المصرف، أو في صالون البيت) بدل المال المتكدس في صندوق، في البيت... يمكن التدليل وبأمثلة مختلفة عن الجسد الثاني، ويمكن التنبه، في السياق عينه، إلى أن الجسد الأول لا يزال، في أحوال عديدة، هو الذي يظهر ويعمل وينشط في حياتنا، بخلاف ما تفعله وارثة التاج البريطاني: فملكة بريطانيا هي التي "تتلفظ" في مجلس العموم البريطاني ما يكتبه رئيس الوزراء كخطة لحكومته وللأمة والشعب، فيما يقتصر الكلام السياسي في بلادنا على كلام الحاكم، ولا تعدو أن تكون خطواته هي تنقلات السياسة نفسها. هكذا لا يتم الفصل بين السياسي، حاكماً أو غير حاكم، وبين ما يقوله، ما يشير إلى تملك الأول للثاني، وما يعيق بالتالي إمكان ظهور الثاني، بل يعيق تشكله أساساً.

وهو ما يمكن قوله في الشاعر، في أحوال كثيرة، حيث أنه لا يفصل تماماً بين جسده الطبيعي وجسده الثاني (الآخر، المتخيل، المشتهى، المكبوت...). ولا يفصل بينه شاعراً وبين المتكلم في القصيدة. القصيدة، في هذه الحالة، هي خطبته، ويقولها بلسانه، حاضراً في الجماعة، بل على منبر هي السطور نفسها.

ولا يختلف في ذلك تعويل الشاعر على اسم فني، على هيئة رمزية يظهر بها شعرياً، أو على "قناع"، مثلما يدرسه بعض النقد. ومصطلح "القناع" غير موفق في حسابي، ولأكثر من سبب: من هذه الأسباب أن الحديث عن "القناع" يفترض، ضمناً على الأقل، وجود تباين أو مسافة بين القناع والاسم، بين المبنى والمعنى، كما لو أن الشاعر يختفي فعلاً، فلا يندرج ويتورط في ما يقول. إلا أن أقوى الأسباب يبقى في ناظري قائماً في إساءة الفهم إلى "القناع" نفسه، منذ التجربة الإغريقية في التمثيل: فقد كان القناع يخفي هوية الممثل، بما يجعل القول مفصولاً عن متحدثه، لا ملصوقاً به؛ وهو نوع من أنواع "التبعيد"، حسب الطريقة البرشتية.

ما أريد أن أشير إليه بنوع من الاختصار هو أن الشاعر هذا لا يتدبر قناعاً له، بل اسماً رمزياً مضافاً إليه، يقوي ويعلي من المكانة الرمزية لاسمه وحسب. هو نوع من الاحتفاء بالاسم، بتملكه لغيره، حتى أن اسم أدونيس الفني بات أشهر من اسمه العائلي، بعد أن جرى نزع "السرية" عنه، أو طاقة الإخفاء التي كان للاسم أن يتدثر بها.

... وهذا في الوقت الذي لم أعرف فيه وجهاً للشاعر هنري ميشو، ولا صوتاً، غير ما يقوله شعره نفسه وسطوره نفسها. بل شهدت، أثناء إقامتي في باريس، دعوى قضائية من هذا الشاعر على جريدة "ليبراسيون" الفرنسية بعد أن نشرت صورته الفوتوغرافية مديراً ظهره...

وقد يكون خير مثل لي عن الشاعر الذي أوجده الشعر من دون أن يشده إلى مكانة تقليدية، يعول عليها في اللعبة الرمزية، هو الشاعر محمد الماغوط: فلقد أقبل الماغوط على كتابة الشعر من دون لغة أجنبية، بخلاف الكثير من أقرانه، عدا أنه لم يوظف مكانة الشعر لحيازة مكانة رمزية، مثلما فعل "الشعراء التموزيون" ذوو الأقنعة الأسطورية، بل كتب الشعر وفق مبدأ الضدية، إذا جاز القول. فلم يتأخر عن القول في قصيدة: "أنا حذاء"، بل جعل من قصيدته فرصة للكلام عن الشاعر "المعدوم" رمزياً، بوصفه الهامشي والصعلوك وغيرها. وهو الذي قال: "إنني الوحيد الذي يمر في الشارع دون أن يحييه أحد".

وهي مناسبة لتوجيه التحية له، من فوق الشوارع الأبقى، وهي السطور.

(26-5-2007).