مرئية القصيدة


كيف لي أن أقرأ صفحة المجموعة الشعرية مثل صفحة مرئية؟ هذا سؤال شغل بالي، يشغل كتابتي، طالما أنني انتبهت منذ وقت بعيد إلى أن شاعر اليوم لم يعد مثل سلفه البعيد: لم يعد يملي على الورقة ما سبق له أن صاغه في ذاكرته: يكتفي وحسب بإنزال هذا الكلام فوق الورق. يغفل الشاعر – عدد من الشعراء، على الأقل - عن كون الورقة التي تستقبل القصيدة قابلة لمعالجات شكلية، مظهرية، طالما أن شعراً بعينه لم يعد متقيداً بصورة قالبية مسبقة، مثل عروض الشعر التي كانت تملي – ولا تزال تملي - على شكل القصيدة قالبها، بحكم تحكم العروض بالنظام المظهري، النهائي، للقصيدة.

هناك قابليات، إذن، متاحة للشاعر، قد يستعملها أو يستغلها، إذا جاز القول، وقد يبقى غافلاً عنها. وهو ما يصيب شعراء كثيرين ممن يبقون صلة للقصيدة المعاصرة بالشفوية. ذلك أن إغفال "مظهرية" القصيدة هو الحاصل الطبيعي لعلاقة قديمة تعنى أساساً بحفظ القصيدة من النسيان، بتدوينها ليس إلا.

هذا ما تنبه إليه شعراء منذ "تخلع" القصيدة العربية، أو تحررها من قالبيتها القديمة. هذا ما شمل الخروج على العروض صوب ما سمي ب-"قصيدة التفعيلة"، أو في "القصيدة بالنثر". ولو عاد القارىْ إلى قصائد ترقى إلى خمسينات القرن الماضي، مثل "أنشودة المطر" لبدر شاكر السياب، لانتبه إلى أن الشاعر لا يتورع، على سبيل المثال، عن تخصيص لفظ وحسب، مثل لفظ "مطر"، بالسطر الشعري كله؛ وهو لفظ يقع في أقل من تفعيلة، ما لا تجيزه حسابات العروض ولا حسابات الشكل الشعري. بل بلغ الأمر، في قصيدة أخرى، حدود تفكيك اللفظ إلى حروف، وإلى تخصيص كل حرف من حروفه بسطر...

هذا ما قد ينسبه بعض الدارسين أو المؤرخين إلى صلات جديدة باتت تستعملها وتستثمرها القصيدة العربية، ومنها صلاتها بإمكانات شكلية، بل زخرفية حتى، تعرفتْ عليها في تجارب شعرية غربية تحت اسم "القصيدة المرئية". قد يصح هذا الكلام في بعض الشعراء، إلا أنه يغفل عما هو أبعد غوراً في بناء القصيدة العربية على اختلاف تجاربها، وهو ما أجمعه في سببين على الأقل:

-يعود السبب الأول إلى أن القصيدة العربية لم تعد مسبوقة الشكل، بفعل تحكم العروض التام بهيئتها وبقالبها الشعري. وهو ما يبلغ عند محمود درويش في شعره الأخير إنزال النقطة، التي لها أن تنهي السطر والجملة، في السطر نفسه، لا في ختامه. وهذا ما جعل شاعراً مثل أمل دنقل يقبل على توزيع الألفاظ فوق السطر، أو بين سطر وآخر...

-يعود السبب الثاني إلى أن الشاعر العربي، ولا سيما شعراء "القصيدة بالنثر"، انصرف إلى ما يمكن تسميته بالكتابية الحاسمة. هذا يعني أن الشاعر بات يواجه الورقة وفق حركات قد لا تختلف، في بعض معالجاتها، عما يصيب الفنان التشكيلي إزاء الحامل المادي، وعن معالجاته المختلفة فوقه.\: القصيدة اشتغال لغوي، لا تدوين قولي.

ولو شاء القارىء الانتباه إلى أحوال القصيدة المتأخرة لتحقق من وجود معالجات مختلفة باتت تجتمع وتتنوع في تشكيلات متعددة: هذا يصيب الألفاظ فوق السطر، وبين السطور المتتابعة. فما عاد السطر ينتهي، أو يتوقف في نهايته الطباعية عند وقوعه على فاصلة أو نقطة فاصلة أو نقطة، وإنما باتت للشاعر تدبيرات بل سياسات يتصرف بموجبها بألفاظ القصيدة، ويوزعها مثل مواد صالحة للنظر بقدر ما هي صالحة للقراءة.

ولا يستطيع الدارس جمعُ هذه السياسات والتدبيرات في استهدافات واحدة أو منسجمة، إذ أنها مختلفة ومتباينة، وتحتاج إلى جلاء وتبين ودرس بالتالي. فقد تصيب هذه المعالجات نسق القراءة، أي تتابعها فوق سطر، إذ يضطر القارىء إلى النزول على السطر من دون مبرر، سوى استنساب الشاعر لذلك. وهذا يشمل الاستعمالات المختلفة لأدوات التنقيط حيث الشاعر "يتلاعب" بها، أو يستغل إمكاناتها بما يبلبل أو يوجه القراءة، في هذا الاتجاه أو ذاك.

يضيق الكلام، هنا، لدرس هذه الأحوال المختلفة، إلا أنها تلتقي على إظهار هيئة للقصيدة العربية. وهو ما تحفل به القصيدة، على تفاوت وتباين فيما بينها. حتى أن الدارس بات يجعل من الهيئة هذه مجالاً لمحاكمة القصيدة، والتحقق بالتالي من "حداثتها".

وهو ما يقرب القصيدة العربية كذلك من "تشكيلية" غيرها من الفنون، وما يجعلها كذلك تلتقي حول أسباب جمالية لها أن تجمعها بغيرها. ولهذا يمكن الدارس الكلام، في بعض قصائد الشعر العربي الحديث، عن معمارية ما لها.

هذا ما يجعل العين تقرأ شكل القصيدة، لا ألفاظها وحسب، وتتحقق لها بالتالي "صدمات سارة" بالمعنى الجمالي، فضلاً عن الشعري والثقافي.

(26-5-2007).