مثول القصيدة
قلما يميز الدرس بين إلقاء قصيدة في حفل، وبين ظهورها في كتاب شعري. وهو تمييز يتعدى فعل التلاوة المناسب للإلقاء، وفعل القراءة المناسب للكتاب، إذ يتناول القصيدة أيضاً في أسباب إنتاجها، في كيفيات إرسالها وتواصلها مع غيرها. وما لا يتضح كفاية في هذه العمليات هو شكل ظهور القصيدة المستند إلى شكل إبلاغها نفسه. ذلك أنه يتعين في أشكال عديدة ومختلفة: بين ظهور القصيدة في شكل تلاوة في "مناسبة"، أو ظهورها في مدونة مطبوعة، في جريدة أو دورية وغيرها، أو ظهورها في كتاب مباشرة. وهي أشكال لا تُعيِّن القصيدة في إنتاجها وحسب، وإنما في استهدافات إرسالها أيضاً.
هذا يشير إلى ظهور القصيدة "الأول"، إذا جاز القول، ولكن ماذا عن ظهورها الثاني أو المتعدد؟ ذلك أن القصيدة لا تلبث أن تندرج مع غيرها، في عمل الشاعر على قصائده وتقديمه وجمعه لها، أو في عمل النسّاخ والشّراح (في عهد النسخ)، أو لا تلبث القصيدة، بعد كتابتها، أو بعد نشرها في مطبوعة، أن تندرج مع غيرها في كتاب، في "مجموعة"، أو هي كُتبت أساساً لكي تصدر في كتاب شعري مستقل. ذلك أن في اختلافات الظهور هذه تنشأ أو تنتظم علاقات بين إنتاج القصيدة وبين ظهورها، قد تتناول شكلَ البناء في القصيدة وغيرها، أو إيجاد أسباب معنى (أو معان) بين أكثر من قصيدة. وهو السؤال الجديد، الذي لم يُطرح، في سابق الدرس والنقد العربيين، عن شكل "المجموعة" طريقةً في عرض القصيدة، بل القصائد، وفي ذيوعها: ما «المجموعة»، بالتالي، في أسباب صدورها وبنائها؟ أَقرارُ صدورِها يسبق إنتاجها؟ أَصدورُها يجمع ما سبق تلاوته، أو نشره في دوريات؟ أيخضع صدورها، بالتالي، لقرار زمني وتوضيبي (نشرُ ما هو مكتوب أو متوافر) أم أن قرار إصدارها يملي علي الكتابة بعض أسباب إنتاجها؟
يتعين بالتالي تباينٌ بين صدور القصيدة القديم في عهد النسخ، وبين صدورها في عهد الطباعة، يتناول القصيدة قي غير محطة من إنتاجها، المستمر بالتالي، بين محطة تلاوتها أو نشرها الأول، وبين صدورها في "مجموعة"، أو في جمعها لمجموع عمل الشاعر.
غير ان القصيدة قد تختلف نشراً بين ما كانت عليه في صدورها الأول ثم الثاني، إذ قد يعمل الشاعر أو غيره (من وَرَثَته وغيرهم) على تنقيح أو إعادة صياغة بعض قصائده وشعره؛ أو قد يعمد إلى إسقاط قصائد أو مجموعات من شعره، فيُقبل على إعادة «تصحيح» سيرته نفسها، على أن شعره هو المدونة الدالة والكاشفة لبعض جوانبها.
مثل هذا الكلام - الأولي طبعاً - يطرح واقعاً مشكلة المدونة (النسخ، المجموعة، الديوان وغيرها من أشكال ذيوع الشعر) التي تعرض القصيدة وتنشرها، بين كونها قصيدة مفردة، أو مطروحة مع مجموعة من القصائد، وبين هذه ومجموع قصائد الشاعر.
هذا ما يجتمع، في كلامي، في المثول الطباعي للقصيدة، أي في عمليات عديدة، تتناول القصيدة بين تلاوتها وذيوعها، في عهد النسخ طبعاً، ولكن خصوصاً في العهد الطباعي الذي بلغته الكتابة الأدبية العربية منذ القرن التاسع عشر.
يتعين، إذن، درسُ هذا المثول في عمليات التلاوة والحفظ والنسخ والنشر التي تصيب القصيدة والشعر. وهي عمليات غير إنتاجية وحسب، وإنما تعين أيضاً الاستهدافات المختلفة الواقعة خلف أشكال ذيوع القصيدة والشعر المختلفة. ولا يعني المثولُ ظهورَ القصيدة (في هيئة أولى أو ثانية أو "نهائية")، بأعراضه كلها، وإنما يعني أيضاً الوقوف على ما يتضمنه هذا المثول من مبادىء ناظمة لبناء القصيدة والشعر، من مبادىء مسبقة في إنتاج القصيدة والشعر كما في أشكال ذيوعها الاجتماعية.
ويمكن معها طرح السؤال: كيف بلغَتْنا القصيدة العربية، والشعر العربي؟ وهو السؤال عما بلغنا منها واقعاً. ذلك ان ما نعرفه من "دواوين"، وأعمال شعرية "كاملة"، ومجموعات وقصائد شعرية، قديمة أو حديثة، أيحدد فعلاً، وتماماً، هذا الشعر في مواده المختلفة؟
يمكن تعداد الأمثلة، ذلك أن هذا الباب من أبواب مساءلة القصيدة والشعر العربيين عن وجودهما يكاد أن يكون منغلقاً على مسائله، بل متكوماً عليها من دون تبين أو مراجعة.هذا يصح في وقائع هذا الشعر، أي قصائده، في الأحوال التي وصل بها إلينا، حيث نفتقر إلى دراسات وتحقيقات نقدية فحصتْ ما وصلنا منه، والكيفيات التي وصلنا بها، مثلما فعل النقاد العرب فيما مضى في نقدهم للروايات التي وصل بها الشعر القديم إليهم، أو النقاد المحدثون في أوروبا، ممن صاغوا أسس دراسة "علم المسودات الأدبية" أو "تكوين النصوص". وما يعنيني من طرح القضية يتعدى عمليات التحقق النقدي، ويشمل طرح المسألة الأدبية، والقصيدة خصوصاً، من زاوية النظر إليها على أنها مدونة قابلة للدرس في لحظات اشتغالها، ما يبدل النظر إلى "نهائية" القصيدة ويضعها في منظور جديد، في منظور "النص الأمثل"، ويفتح سبيلاً جديداً في الدراسة اللسانية للأدب عموماً.
(19-9-2006).