عودة الرومنسية


فرحت كثيراً بما فاز به الشاعر محمد الماغوط من احتفاء، وإن بعد موته. إلا أن ما تابعته – وفيما يتعدى التكريم والمناسبة – ما تناول جانباً خفياً أو خفراً في شعره كما في شعر غيره، وهو الرومنسية، على ما أرى وأدافع. ذلك أنها لم تدرس كفاية، عدا أننا، في النقد، انصرفنا إلى توزبع الشعراء في مدارس وأنماط من دون أن نعنى بدرس التجربة الشعرية نفسها، في النصوص قبل الانضواءات الأسلوبية؛ عدا أن النقد أغفل كذلك درس ما يقع بين التجارب والأساليب المختلفة من تشاركات وتداخلات.

قيل الكثير في شعر الماغوط، كالحديث عن "الهامشي"، أو عن تجربة النازل إلى المدينة، أو عن الصراخ والشكوى في شعره، ولكن من دون أن ينتبه النقد إلى أن مثل هذه الموضوعات، أو هذا الموقف من الكائنات والأشياء يصدر لزوماً عن المنزع الرومنسي.

لم تدرس كفاية، إذن، الرومنسية الشعرية. جعلناها محطة بعد "الإحياء الشعري"، ثم أقفلنا بابها سريعاً بحجة القدوم العاصف لقصيدة "حديثة"، أو "الشعر الحر". اكتفينا، إذن، بالتفاتة خجولة، بل عجولة، إلى جبران خليل جبران وأبي القاسم الشابي وأبي شادي وعلي محمود طه وغيرهم. واعتذرنا منهم، كما من غيرهم، وذهبنا إلى استقبال القادم العجول والضاج.

هذا ما جرى في الدرس النقدي والتاريخي، لكنه جرى قبل ذلك في القصيدة نفسها. طوى الشعراء، قبل النقاد، صفحة الرومنسية. طووها على عجل، على شيء من التبرم، على شيء من التلهف.

ما تحققت منه سابقاً، وما أتأكد منه في صورة مزيدة، هو أن طي هذه الصفحة أتى عجولاً، بل متعجلاً في الواقع. وفي التعجل شيء من التسرع، الذي لا تلبث أن تتكشف طبيعته، وإن لا تتبدى في هيئة نظرية ونقدية مناسبة لها.

هذا ما أجمعه في الكلام عن إعلاء صوت المتكلم في القصيدة، على مديح المتكلم لنفسه، لصنيعه، بوصفه مسمي الوجود والقيم، ومطلق الصفات والأحكام والمعاني على الألفاظ.

إن قدرةً مثل هذه تتأتى من مصدر رومنسي، من مرجع بات لا يجمع في صيغة – تحتاج إلى تبين ودرس – بين الربوبي والأنوي، بين الديني والوجودي.

هناك - على ما أرى وأدافع - وجه خفي للرومنسية في ثنايا ما نسميه بالقصيدة " الحديثة"، ومنها القصيدة بالنثر. وجه بلسان أنوي صريح، بل صارخ: سواء أكان صارخاً في "غرفة بملايين الجدران" (عند الماغوط)، أو في وجه "الحضارة" (عند أدونيس)، كما في قوله الشهير في "هذا هو اسمي": "قادر أن أغير : لغم الحضارة هذا هو اسمي".

هذا الوجه الخفي له صورة بألسنة عديدة. له صورة المتكلم الذي يفصح عما لديه، وكيفما يريد في القصيدة: القصيدة كلامه الذي يوجهه إلى غيره. هذا صريح الأنا وعاليها. وهذا متخيل الأنا وواطيها أيضاً. هذا ما أطلقت عليه تسمية "المتكلم"، إلا أنها تحتاج إلى إيضاح وتبين. ذلك أن من يقول "أنا" في القصيدة، ومن تصدر عنه هذه القصيدة، مالك حصري للصوت، ومنتفع منه. هو "ناطق رسمي" له، إذا جاز القول.

هناك أنا موصولة بموقع، باسم فردي واجتماعي، تعمل له وعنده، وتصدر منه القصيدة كفعل مباشر. وهو ما أتبينه في أعداد من القصائد بالنثر، التي جرى إطلاق صفات عليها، مثل صفات لاحقة بالشعراء، "الهامشيين" أو "الفتية الشرسين" أو "الصعاليك الجدد" وغيرها، فيما نتحقق في هذه القصائد من ترجيعات رومنسية غير جلية في صورة صريحة في غالب الأحيان. وهو ما يمكن قوله في الحديث أو في الدعوى الشعرية عن قصيدة "اللغة التالفة" حيث أنها، هي بدورها، نشأت في دعواها الفنية والشعرية والجمالية ضد "الفصاحة المستجدة" في الشعر العربي الحديث، فيما انتحت بجانب من اللغة العربية على أنها اللغة "الشعرية"، وكانت بذلك تقيم مثالاً معكوساً عن الفصاحة، وهو أن الشعر قابل لفصاحة من نوع آخر، إذ تقر مثلها بأن قسماً من اللغة من دون غيره هو "الصالح" للشعر.

ذلك أننا لم نتحقق تماماً من خروجنا من النسق العروضي، ولا من مستحقات دخولنا في نسق آخر. خرجنا من العروض من دون أن نخرج تماما. ودخلنا إلى هذا النوع الشعري من دون أن ندخل كفاية.

كما إننا دخلنا من دون أن ندخل إلى نظام، ولا إلى قواعد. دخلنا وحسب إلى ميدان للكتابة مع مقادير مختلفة من القابليات والاستعدادات والاندفاعات الكتابية، تبعاً للشعراء ولخبراتهم ولثقافتهم الشعرية، ولا سيما الأجنبية.

أتحدث عن الرومنسية فيما يمكنني الحديث عن غيرها في شعرنا المعاصر، حيث أنه أغنى من درسنا له، وأعقد كذلك.

(27-4-2006).