القصيدة بين جسدَي الشاعر


لا يتحقق القارئ، ولا الدارس، في صورة كافية من حقيقة الانتقال بين القصيدة بوصفها خطبة، وبينها بوصفها مادة للقراءة، لا للسماع. ومن يتابع صدور المجموعات الشعرية منذ مطالع القرن العشرين، ومع تنامي مدونات الطباعة العربية (من جرائد ومجلات وكتب وغيرها)، ينتبه إلى أن المجموعات الأولى منها لا يتعدى كونها تسجيلاً وحفظاً لقصائد تمت كتابتها بل تلاوتها في مناسبات قبل أن تصدر في كتب، بل في الدواوين "الحافظة" و"الختامية". إلا أن المتابع يلاحظ كذلك أن القصيدة ما لبثت بعد وقت أن تخففت من هذه المناسبات، بل انقطعت عنها. وفي إمكان الدراس أن يلاحظ بروز أشكال تواسط بين القصيدة وخارجها، باتت تتمثل في أن الشاعر بات يهدي قصيدته لـ"شهيد" أو "صديق"، ما جعل القصيدة مدونة مخصوصة، يمسك بها الشاعر لنفسه، ويخصها بتعبيراته. هذا ما جعل الشاعر لا يخطب بعد اليوم (إلا عند بعض الشعراء العموديين)، إلا أنه لم ينقطع عن "الإرسال"، وهو ما بلغ عند بعض الشعراء إرسال التعبيرات السياسية والإيديولوجية وغيرها، في نوع من التجديد لدور الشعر الاجتماعي، وفي وضعيات جديدة.

وهو ما أجمعه في صورتين للشاعر:

- صورة الشاعر-الخطيب، الذي "يقف في القصيدة" (إذا جاز القول) ليتوجه بها إلى غيره، وهو يعمل "في خدمة الشاعر" الذي هو عليه، بل الذي انتهى إلى أن يكون عليه من دور، من مكانة؛ وهو بحكم ذلك يمنعنا من أن نقيم أي اتصال، أو التباس، أو تداخل، بين الشاعر والمتكلم (في القصيدة)، لصالح الشاعر، لصالح الاسم الاجتماعي.

- صورة الشاعر-المرسل، الذي يقف خلف ورقة القصيدة بوصفها مرآة ونافذة، فيعمل "في خدمة متكلم"، يقع فيه وأبعد منه، خصوصاً وأن ما يقوله المتكلم عن نفسه قد لا يكون مدعاة لافتخار أو تباه.

غير أنني أتنبه إلى بروز صورة ثالثة للشاعر، وفي عدد من مجموعات الشعر المتأخرة، وهي صورة الشاعر-الصوت، الذي يقف في القصيدة على أنها خشبة من الأصوات المتباينة والمتقاطعة. وهي خشبة بمثابة غرفة جانبية أو كواليس للقصيدة، إذ يعمل الشاعر "في خدمة القصيدة"، على أنها شخصية أو تنتسب إلى سيرة متخيلة، لا يظهر فيها الشاعر وإن يتنقل خفية؛ وهو إذ يتنقل يتغير "الموقع" الذي يتم التكلم انطلاقاً منه. وهذا ما يغري في البحث عن تشابكات وتداخلات ثرية بين الشاعر-الاسم الاجتماعي والمتكلم، وبين المتكلم والمتكلمين، وبين المتكلم والصوت (الأصوات).

أعود لذلك إلى استعارة "الجسد الثاني" التي استعملها أحد دارسي الأنتروبولوجيا الثقافية في حديثه عن "جسد الفرعون". وأريد من استعمالها التدليلَ على إمساك الجسد الأول (الشاعر شخصياً واجتماعياً) بتلابيب القول الشعري، بتوظيفاته واستثماراته، في المعنى، في الحساب الاعتباري. وهو نوع من اللحمة في مجتمع لا يفصل بعد بين وحداته. وهو ما أثيره في عدد من الأسئلة: فقد لا يقع التباعد، أو إقامة المسافة، في الشاعر، في القصيدة نفسها؟ لماذا لا يقع التعدد بين الشاعر والمتكلم، بين المتكلم نفسه وبين الصوت؟ لماذا لا يقع التعدد في أدوات القصيدة نفسها؟ لماذا لا نرى إلى القول الشعري إلا بوصفه خطبة أو مقالة أو تسديداً لقول؟ لماذا لا يكون القول الشعري حواراً، له أصوات متعددة؟ لماذا لا يكون الصوت إلا برفعه؟ لماذا لا يكون بخفضه، بما يصلح لجلسة صامتة، بين القارىء ونفسه؟ لماذا لا يكون القول الشعري سوى تحكم وتسديد له، فلا يسمح بتردد في مبانيه، بلعثمة في حروفه، بتشاطر القول الشعري بين متكلمين مختلفين؟

(27-1-2007).