"أما الشعر... يا روحي عليه"
لم نكن، زملائي وأنا في لجنة التحكيم الشعري التي ضمتنا قبل شهرين في القاهرة، أقرب إلى محكِّمي الجاهلية الذين كانوا يفصلون أو يفاضلون بين قصيدة وأخرى، وبين شاعر وآخر، إذ كنا نعلم حق العلم بأن الساحة تعرف شعراء متميزين عديدين، وأن بينهم خيارات فنية وجمالية متباينة، ما يزيد من صعوبة المهمة. وأسمح لنفسي، بعد سماع وقراءة أقوال وتصريحات ومواقف عديدة حول الجائزة (التي فاز بها الشاعر محمود درويش في ختام مداولاتها)، وبما لا يخل بمبدأ السرية الذي تقيد به أعضاء اللجنة، أن أسجل بعض الملاحظات على ما جرى:
- رافقت هذه الجائزة، قبل صدور نتيجتها وبعدها خصوصاً، أقاويل وتسريبات لا تختلف عن مناقشات "الشارع السياسي" العربي، الذي تقع أخباره في دائرة الإشاعات في الغالب (وهو عمل منظم اعتادت عليه بعض الأجهزة الأمنية، على ما هو معروف)، وهو ما يُقبل عليه الكتاب والشعراء خصوصاً من دون رفة جفن، ما يستحق وقفة من دون شك، ولكن ليس الآن مجالها. كما ترافق ذلك مع أقاويل من نوع "الرجم بالغيب"، على أن من ينقلها هو أقرب إلى الجن في العهد الجاهلي، أي موجود بقدرة قادر في "صلب" الحدث، حين جرى، بحيث يقوى على نقله واقعاً: فقد استوقفني، وقد وصلت إلى القاهرة قبل أيام على بدء المهرجان، أن صحفيين مرموقين أبلغوني بمداولات "لجنة التحكيم" بينما لم تكن اللجنة قد عقدت بعد أول اجتماعاتها، وما كان أعضاؤها يعرفون بعضهم البعض ... لكي يتدبروا "مؤامرة" على الأقل.
- أما الشعراء، أي بعضهم فقط ولحسن الحظ، فكانت لهم معارك مشهودة لا يسعني – اليوم - الكشف عن تفاصيلها، وهي تشير بمجموعها إلى أنهم "محرتقو سياسة" في أحسن الأحوال، وأن عدداً منهم – من المرشحين "المرموقين" – تدبروا خططاً للمعركة هذه، قبل إعلان الجائزة وبعدها خصوصاً، بما يصون رتبتهم، وهي أنهم "أمراء الشعر"، وإن ليسوا تقليديين أو محافظين، على ما يدَّعون. ولقد كان لبعض هؤلاء فِرق أكبر من غيره، في بعض الأحوال، إذ تدبر بعض الشعراء "مساعدين" لهم، أو "مخبرين" يخوضون باسمهم المعركة عن بعد ومن دون كلفة مباشرة. ولقد تدبروا لذلك خططاً مختلفة، منها: أنهم ليسوا مرشحين بينما هم مرشحون؛ أو أنهم علموا بالنتيجة قبل حصولها، وأنها نتيجة تسوية مسبقة...
- أما الخلاصة الأساسية التي انتهيت إليها – بعيداً عن هذه "الحرتقات" الشخصية – فتنتسب إلى الملاحظة الاجتماعية-القيمية، لا الشعرية، وهي أن غالب الشعراء الذين شاركوا في الجائزة، وفي المهرجان، ينتسبون في دعاويهم الشعرية إلى "الحداثة"، أي أنهم بعيدون عن "التقليدية" وشروطها وقيمها، ومن هذه: إمارة الشعر. ولقد تحققت من خلال مراقبتي لهذا المشهد بأن الفكر "الإطلاقي"، وترجمته الشعرية هي وجود "أمير للشعر"، واحد ووحيد، لا تزال راسخة في اعتقادات الشعراء وقيمهم. وهذا يعني أن شاعراً من هؤلاء لا يمكنه أن يقر بأسبقية غيره عليه في مسابقة، إلا زوراً أو إثر "مؤامرة" ما، بدليل اختفاء الشعراء، بعد إعلان الجائزة، عن "تهنئة" درويش بها.
بعد إعلان النتيجة، شكرت الدكتور جابر عصفور على عمله، وعلى أنه طلب مني أن أكون في اللجنة التحكيمية الأولى، لا الثانية أو الثالثة، إذا ما قامت لها قائمة، لأن الخلافات ستكون أقسى والإشاعات أشد، من دون شك. فإذا كان فوز محمود درويش بهذه الجائزة أثار كل هذا اللغط، فأنا أعرف تمام المعرفة بأن فوز غيره بها سيجلب مشاكل أصعب.
وأختم بتذكير الشعراء بأغنية أم كلثوم: "العيب فيهم، يا في حبايبهم.."، وأستكملها وأقلبها للقول: "أما... الشعر يا روحي عليه".
(5-5-2007).