هل الشعر نظير التصوير؟


هل التصوير مثلَ شِعرٍ صامت، والقصيدةُ مثل لوحةٍ ناطقة؟ مثلُ هذا السؤال لم تطرحه الدراسات الشعرية والجمالية العربية، لا القديمة ولا الحديثة، بينما طرحته الشعرية القديمة مثل الحديثة في السياق الأوروبي. فمنذ القرن الأول قبل المسيح أطلق الشاعر اللاتيني هوراس عبارته التي باتت شهيرة: “الشعر نظيرُ التصوير”. وهي العقيدة الفعلية التي نشطت في “عصر النهضة” الأوروبي وبعده، وعنت أن الإبداع الشعري يمتلك سلطةَ وصفٍ، وإيحاءٍ، وتمثيلٍ صوري، لا تقل قوة عن سلطة التصوير. ومن يتابع أحوال الإبداعية الأوروبية يتحقق من أن المصورين فيها سعوا منذ “عصر النهضة” إلى التخلص من رتبة الحرفيين، وتطلعوا إلى بلوغ مرتبة... الشعراء السامية. بل نتنبه أكثر إلى أن ليوناردو دافنشي أسقطَ المقارنة هذه، في كتابه “مبحث في التصوير”، إذ أقام تراتبيةً لصالح التمثيل التصويري، مشدداً على ارتفاع مكانة التصوير المطلقة. وهذا يعود إلى أن التصوير كان فن بلاطٍ في المقام الأول، ومكلف ب “تمثيلِ” مآثر المَلك الرفيعة، بينما يُفيد الشعر في “غناء” المآثر وحسب. هكذا انقلب قولُ هوراس: فبعد أن كان يقول بأن “الشعر نظير التصوير”، اكتسب القول معنى جديداً: ليست اللوحة نظيرة القصيدة وحسب، وإنما هي أكثر من قصيدة. لأن المَلك، الذي يرسم التصويرُ التاريخي أفعالَه العظيمة، يَمثُل في اللوحات في هيئةِ أبولون أحياناً، وهرقل أحياناً أخرى. هل في إمكان الشعرية العربية قبول هذا القول، أي أن يحاكي الشعرُ التصويرَ؟

كان له أن يصح في الخليفة معاوية، أو في الحاكم زياد ابن أبيه، بعد أن عمل من يسكون العملة الإسلامية الأولى على طبع صورهما عليها، كما في التقاليد البيزنطية والساسانية، مع هرقل نفسه وكسرى. لكن هذا التقليد الناشىء سيدوم سنوات قليلة، بعد أن نها عنه فقهاء من المدينة، وامتثل الخليفة لفتواهم الفقهية. وكان لمثل هذا المنع أثر أكيد في الطلب الشديد على المدح، ما جعله، هو الموروث من العهد الجاهلي، يكتسب أهلية جديدة وشرعية جمالية إضافية. وهو ما جعله أيضاً يتحول إلى “مؤسسة” عباسية بالمعنى الجمالي، حيث تبارى الشعراء والنقاد في وصف وتحديد موجبات هذه القصيدة وشروطها وصفاتها المطلوبة.

لمثل هذه الأسباب بقي نوع الوصف أضعف أنواع الشعر، وخفف شعر ابن الرومي وحده من تدني هذا النوع، حيث إن هذا الشاعر كانت له بخلاف الكثرة الكاثرة من أقرانه “عين” ترى لكي تكتب. بل كانت له عين لا تصف إلا وفق منطق تصويري، حركي، حتى أن قصيدته في وصف “العنب الرزاقي”، في إحدى الولائم العباسية، تَمثل لقارئها مثل لوحة، مثل “طبيعة صامتة”.

هذا المثل نادر، وهو يثبت القاعدة، وهي أن ليس لأي فن في العربية أن يباري الشعر أو أن ينافسه. وهو ما كان له أثره البين على فنية الشعر نفسه، حيث غلبت عليه الوظيفة الاجتماعية: إنه يعمل في خدمة معان مستحسنة في القيم البلاطية، وينسج مادة الشعر من القولية والكتابية، القيمية والوجدانية، مما يقع في إنشاء الخطاب، على حساب أي إمداد تصويري ممكن. فلو قرأت هذه القصيدة العباسية أو تلك، لما وجدت فيها صورة إلا بالمعنى الاستعاري، بل ترى مباني اللغة الفنية تنهل من سجلات مصدرها الخطاب الاجتماعي بقيمه و”صوره”، ما لا يستند إلى الصورة الزمنية والوقائعية للحراك الاجتماعي والفردي نفسه.

عين معطلة بهذا المعنى، ولا يشفع بها أن أعداداً من الشعراء الحديثين، مثل جبران خليل جبران وجبرا إبراهيم جبرا وبلند الحيدري، انصرفوا إلى الصورة، بل جعلوا منها رديفاً للكلمة نفسها. ومن يتابع أحوال الشعراء العرب، اليوم، وأحوال قصائدهم، يتحقق من استمرار هذا الأثر فيها، ولو خفف بعض شعراء القصيدة بالنثر منه.

وأشد ما يؤكد هذه الفكرة هو أن أعداداً كبيرة من الفنانين العرب انصرفت منذ الستينات على الأقل من القرن الماضي إلى الشعر العربي الحديث تتفاعل معه تعبيرياً وإنشائياً، مع إيتيل عدنان وضياء العزاوي وجمال عبد الرحيم وغيرهم. بينما لا يُقبل الشعراء، إلا في أعداد قليلة، على أعمال الفنانين يتعلمون منها بعض “أسرار” النص الحديث، مثلما يتباهى بذلك كتاب أوروبيون عديدون. وإن اقترب بعض الشعراء العرب من معارض بعض الفنانين، فلتوسيع صورتهم “السلطوية” على جميع مناحي الإبداع العربي، فتراهم يكتبون “مقدمات” أدلة معارض، وعن فنانين، وعن لوحات، من دون أن يفقهوا شيئاً من لغة الصورة.

إن هذا الرفع المتمادي للشعر وعلى حساب غيره من الفنون أقامه في علياء بلاغية، وسحب منه أسباب الحياة والتجدد. وإن أصابه بعض التجدد فيعود إلى تجديدات “بديعية”، تقنية في نهاية المطاف، ما أبعده عن الزمن والتاريخ والبشر، إلا في بعض شعرنا اليوم، ولا سيما عند بعض شعر الشباب الذي ينضح بحياة الجاري من أيامنا.

(27-12-2008).