بين المصغر والمكبر في الفن
تنظم "غاليري روشان" (جدة) في نهاية الشهر الجاري معرضاً عربياً جامعاً للأعمال الفنية المصغرة، وهو ما يحدث لأول مرة على هذا النطاق، ما يتيح التعرف على هذا النوع الفني المجهول أو غير المعترف به عربياً. فقيام هذا المعرض حدث في حد ذاته: لجدة الفكرة، لقلة العناية بها في العالم العربي، فضلاً عن عناية متناقصة بها هنا وهناك في العالم، حيث بات هذا النوع من الإنتاج الفني مقتصراً على تظاهرات هامشية، بعيداً عن الأضواء الإعلامية والتعريفية الباهرة. لهذا بدت لي الكتابة فيه مثيرة ومحرضة لطرح تساؤلات - جديرة بالعناية بدورها – تطاول مبنى هذا العمل الفني.
وهو ما لا يمكن تناوله – على ما أرى وأقترح – إلا بتناول مسألة قياسات العمل الفني عموماً. وهي "مسألة إشكالية" فعلاً، قلما نظر فيها الدارسون، وإن قامت في أساس انتظام عدد من التجارب الفنية. فالعمل الفني يقوم في مبناه على علاقة ما – قياسية إذا جاز القول – بين ما يمثل على اللوحة وما تحيل إليه خارجها. فقلما يناسب الأمير الواقف في اللوحة مقاساته الطبيعية إذ يقف أمام المصور لتصوير هيئته، فهو يكبر أو يقصر عن ذلك. ولا يعتمد الفنان على إقرار الكبر أو القصر إلا بعد حسابات تصويرية محضة، وإلا لكان اعتمد في الغالب على تكبير حجم موضوعاته النبيلة. ومن يعود إلى صور الفن الكلاسيكي الأوروبي يلاحظ أنها تستند في الغالب على "تصغير" ما تقوم بتصويره، مما يعود على الأرجح إلى ميلها الثابت في السرد التاريخي. فتعيين التاريخ في فقرات سردية يشترط حشداً من الشخوص والعلاقات والمواضع والرموز مما يضيق به في الغالب فضاء اللوحة: لهذا يبدو الميل إلى التصغير راجحاً في هذا التصوير؛ وقد يكون التصوير "المنمنم" الإيطالي قد نشأ ليوافق الاستخدامات التزينيية التي طلبها هذا النوع من التصوير المصغر فوق أوراق أو صناديق وغيرها؛ وهي حوامل ضيقة لكي تسع حمولات التاريخ الغاصة.
وضمن السياق التفسيري نفسه، يمكن القول إن التصوير مال إلى علاقة أكثر طبيعية مع موضوعاته مع التصوير الانطباعي في الغالب، طالما أن السرد قد خف، وقوي العرض الشكلي واللوني للمناظر والهيئات. إلا أن هذا القول قد لا يناسب أبداً جانباً آخر من التصوير الانطباعي، ثم الحديث. فيمكن الدارس أن يأتي بأمثلة وبأمثلة معاكسة مما لا يساهم في جلاء المسألة، ولا في تتبع سياق تاريخي حامل لحسابات تصويرية راجحة في هذا العهد أو ذاك. وما يمكن قوله في هذا السياق هو أن الفنان الحديث بات أكثر تحرراً إزاء المرجع (السردي، التمثيلي) من زميله السابق، الكلاسيكي، وبات العمل الفني يتعين فوق اللوحة قبل أن يتعين في علاقتها بخارجها. لهذا بات التصغير أو التكبير مسألة بنائية، أسلوبية، يتصرف بها الفنان كما يحلو له البناء.
ومما زاد من اتساع الحرية هذه دخول التقنيات في عهد النسخ الصناعي: هذا ما درسه تيودور أدورنو، ثم أندريه مالرو، أي التأثيرات المختلفة التي أحدثها النسخ على تصورات الفن وإنتاجاته. ويجدر بنا الانتباه أكثر إلى تبعات هذا العهد الصناعي، والتوقف عند ما أحدثه عمل المصممين أنفسهم على العمل الفني نفسه. فكم أظهر عمل المصممين إمكان إظهار عمل فني معروف بصيغة أخرى لا تقل "إقناعاً" (بالمعنى الفني) عن السابقة: فهذا مصمم يكتفي بجزء وحسب من لوحة لديلوني، أو بأصبعين وحسب من عمل لميكيلنجيلو... وهذا ما يعمل عليه أيضاً مصممون عرب مختلفون حيث يكتفون بجزء من عمل خطي أو من لفظ، وغير ذلك من الاعمال التصغيرية بل التقسيمية للعمل الفني. ان مثل هذه الأعمال وغيرها تظهر هشاشة الكلام الفني والنقدي عن "بنية" العمل الفني (والبعض عن بنيته " العضوية" أو "المتماسكة"). أين هذه البنية؟ وكيف تتعين؟ أهي بنية وهمية أو قابلة لتجزئة فنية ممكنة؟
يمكن طرح المزيد من الأسئلة (والتي قد تدفع بالبعض إلى الحديث عن "جمالية الجزء")، التي تصيب علاقات التكبير بالتصغير، والجزئي بالكلي، إذ يتبين أنها (أي هذه الثنائيات) لا تعدو كونها قياسية، لا طبيعية. فكم من الأعمال الفنية تمثل للناظر في أحجام مكبرة وهي تصلح لأن تكون مصغرة، والعكس صحيح. غير أن الأكيد - مع ذلك - هو أن نسق التصغير القديم كان يصلح في أعمال كان لها أن تكون مكبرة فجرى تصغيرها لإنزالها في أوضاع ومساحات ضيقة. أو كان يعود الأمر – وهذا عرفناه في بعض تجارب الخط العربي، ولا سيما في الحقبة العثمانية – إلى إبراز مهارات الفنانين (الذين هم، في هذه الحال، أقرب إلى الصناع)، مثل جمع الكثير في الضيق (كإنزال جمل خطية في مساحات صغيرة).
لهذا ما عاد العمل الفني المصغر نسخة مصغرة بالضرورة ولكن كافية (في تمثيلها) عن عالم أكبر منها، وإنما بات هذا العمل أحياناً نسخة مكبرة عما هو في أساسه عمل مصغر. المسألة متعلقة في السلم القياسي الذي يطلبه الفنان لعمله، ولعلاقة الناظر بما له أن يراه، وكيف يراه: بلمحة عين، بتحديق شديد، مثل الصائغ الذي ينظر إلى الجواهر بعين "ميكروسكوبية" ، أو مثل السائح وهو في طائرة، أو مثل من ينزه بصره، أو مثل من يرى من دون أن ينظر...
(4-7-2006).