بأية حال عدت يا خط!
أعود من تونس، بعد أن شاركت في ندوة دولية بعنوان "فن الخط العربي بين العبارة التشكيلية والمنظومات التواصلية"، وهي الدورة الثانية للخط العربي التي ينظمها "المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون" ("بيت الحكمة") بالتعاون مع "مركز الأبحاث للتاريخ والثقافة الإسلامية باستانبول" (المعروفة ب"إرسيكا"). وكانت مناسبة طيبة التقيت فيها بخطاطين متمرسين من تركيا وبلدان عربية مختلفة كما بدارسي الفن والخط، وبالمشتغلين في برامج تشغيل الحاسوب (الكمبيوتر).
لا يسعني في هذه الكلمات المقتضبة الوقوف عند جوانب الندوة المختلفة، والتي تعدت جلساتها العشر جلسات، فضلاً عن ورشات لتعليم الخط العربي بأنواعه ولفني التذهيب والزخرفة، ولتقنيات مختلفة متصلة بالتركيب الفني للوحة الخطية بالحاسوب، ولمبادىء طباعة الخط بتقنية السيريغرافيا وغيرها. ما يسعني هو إبداء ملاحظات إجمالية لا تتصل بتنظيم الندوة عموماً بل بحال الخط العربي إجمالاً.
ذلك أننا نستطيع، إثر أية ندوة، إلقاء تبعات ما حصل فيها على المنظمين، أو على نوعية المشاركين، غافلين عن الأساسي وهو أن نجاح أية ندوة – فضلاً عن مسؤولية منظميها الأكيدة – تتصل بحال البيئات العلمية والثقافية (والسياسية بالتالي) التي تتعهد هذا "الموضوع" المطروح للنقاش.
وما يمكن أن ينتهي إليه المراقب والمشارك في هذه الندوة يتلخص في جملة ملاحظات. أولها هو أن الخط العربي، كفن وخبرات وممارسين، يشكو من ضعف ظاهر له تجليات مختلفة. فهذا الفن الذي يعد بحق – وحسب غالب الدارسين – الفن العربي الأول و"الأصيل" (حسب لغة كثيرين) فقد مثل هذه المرتبة، وتحول إلى ذكرى يرعاها بعض الساهرين عليه، من دون أن ينعموا دائماً بالقدرات التنموية له. فعالم الخط بوصفه أولاً عالم الخطاطين يكاد يتحول إلى جماعات ضيقة ومغلقة، عدا أنها قد تصون الطقوس في الخط (أي الأمور الشكلية والمتحجرة فيه) من دون حيويته اللازمة له. وهي حال تستوقف الدارس والمتابع إذ يلاحظ أن غيرنا من الشعوب يحافظ ويحيي تقاليده الثقافية والفنية والجمالية، ويعتني بأساليب وممارسات جديدة، على أنه حيوي في الحالتين. وهو ما أنتبه إليه في التجربة اليابانية، التي تعرف تقليداً عريقاً في الخط، فتحافظ عليه وتبقي على أصوله، حتى أنني تعرفت في السنوات الأخيرة على خطاط ياباني، الخطاط قويتشي هوندا، الذي برع في فن الخط... العربي (والذي اعتذر عن المشاركة في دورتنا الحالية لانشغالاته العديدة). وهذا لم يمنع الفنانين اليابانيين، غير قويتشي، من الانفتاح والتعامل مع اللوحة الزيتية (بل يطلقون عليها تسمية "التصوير الأوروبي" لتمييزه عن فنونهم الخاصة) . وهو ما أعرفه عن تمسكهم بمسرح "النو"، التقليدي الذي يرقى إلى أكثر من خمسة قرون، إلى جانب المسرح ذي التقليد الأوروبي. هذا مدعاة للتفكر في عدد من شعاراتنا ومواقفنا، كالحديث عن "الأصالة" و"الهوية" وغيرها، وهي لا تعني سوى المحافظة والجمود والكسل والتكرار إن لم ترفقها سياسات حيوية وقناعات بلزوم العمل والمغامرة.
إلا أن المتابع والمشارك في هذه الندوة يلاحظ ما هو أدهى من ذلك، وهو أن الأتراك لا زالوا يتعهدون هذا الخط أكثر من العرب أنفسهم. فهم "تسلموه" في العهد العثماني ورعوه، ولا تزال الحال على حالها، إذا جاز القول. فالوقوف على الأعمال المشاركة في "المسابقة" التي رافقت الندوة تظهر لنا الجودة التركية الأكيدة بالمقارنة مع المشاركات الأخرى، العربية تحديداً. كما لو أن الزمان لم يتغير في استمراره بعد انقضاء الحقبة العثمانية، في بلدهم وفي بلادنا، مع فارق بسيط وهو أنهم ينعمون بالمتابعة والتجديد، فيما نجتر البلادة والتكرار. وما يستوقف في المشاركة التركية هو أن الخطاطين الأتراك جدد، في عهد الشباب، فيما يمضي أفضل الخطاطين العرب صوب الشيخوخة، ويشتهر منهم اليوم خطاطون مقيمون في الخارج (مثل محمد سعيد الصكار وحسن المسعود وعبد الغني العاني، العراقيين المقيمين في باريس)، فيما تعلم أحد الخطاطين المشاركين الخط في شهر ونصف الشهر، على ما أفادني بنوع من التباهي.
أنا لا أقول هذا من باب الشكوى، ولا التأسف، ولا البكاء على الأطلال، وإنما أقولها من باب التنبه إلى أننا نلهو بالشعارات أكثر من العمل نفسه. وهذا يعني أننا لا نزال بعيدين عن أنفسنا، عما يمكن أن نكون، أي أن نكون فاعلين ومنتجين حقاً. وهذا يفتح نقاشاً أوسع وأعمق، هو التالي: ما الذي يحول دون تنظيم طاقاتنا، بل دون إطلاقها واقعاً؟ ما الذي يجعلنا ننتج ونكون فاعلين أقل بكثير مما يمكن أن تكون عليه طاقتنا وقدرتنا؟
والجواب عن ذلك يحتاج إلى نقاشات واسعة، لن نجدها في السياسة وحدها مثلما يتسرع البعض في التشخيص، وإنما في تنظيم حياتنا الاجتماعية، بما هي البيئة المولدة لقيمنا وأفعالنا وسلوكاتنا وفنوننا بالتالي.
(1-6-2006).