ثقافة الصورة
"الفن التشكيلي في عُمان"، للدكتورين فخرية اليحياثي ومحمد العامري، الصادر عن "المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم"، حدث أكيد في التعريف بحركة تشكيلية كانت ولا تزال تفتقد لمثل هذا التقديم لها. وهو تقديم لافت (210 صفحة من القطع الكبير)، تعززه الصور الملونة التي قام بها الفنان خميس المحاربي.
يمثل هذا الكتاب جديداً أكيداً، طالما أن الحركة التشكيلية في السلطنة شهدت، بمجهودات فنانيها ومعارضهم ومشاركاتهم، وبفضل "الجمعية العمانية للفنون التشكيلية" بمهرجانها السنوي ومعارضها وفعالياتها الكثيرة، نهضة أكيدة، انتهت إلى أن تكون حاضرة وفاعلة، ولكن مفتقدة إلى ما يوثق ويقدم ويعرف بها وبأعلامها المؤسسين والمميزين. وهو ما يوفره هذا الكتاب، عارضاً لتجارب ما يزيد على خمسين فناناً، متوزعين في ممارسات وتجارب وأساليب متعددة.
ولقد قام الباحثان بمجهود كبير تمثل في تتبع الفنانين، والتأكد من سيرهم الذاتية، والتعرف على أعمالهم، وعلى توثيقها، ونقدها الفني، تبعاً لتجلياتها ومرجعياتها. إلا أن عملهما يفتقر في حدود التوثيق والتعريف والتقديم إلى معلومات لازمة توثق، على سبيل المثال، الممهدات الفنية للفنانين الأوائل، بما فيها دراستهم وخبراتهم واحتكاكاتهم وخلافها، بدل الانتقال المعجل إلى لوحاتهم لاستقرائها بوصفها دليل التاريخ الفني الجلي. ويكون عملهما هذا قد أكمل ما بدأت به هذه السلسلة، وهي التعريف بالحركة التشكيلية العربية – مهما قيل من ملاحظات صائبة في بعض كتبها الصادرة.
إلا أن متابعتي لهذا الكتاب وغيره تدفعني إلى إبداء ملاحظة تقع في صميم كتابة هذه السلسلة، وتتناول الخلط بين النقد الفني والتاريخ الفني. فعدد من هذه الكتب تناول الأعمال الفنية والفنانين بالمتابعة والتحليل، ما يندرج في النقد الفني خصوصاً، فيما تعلن عن مسعاها في التاريخ، وهو ما تفتقر إليه واقعاً في الحاصل الكتابي. فكتابة تاريخ فن لبلد أو لتجربة فنية بعينها لا يتعين في تاريخ "أول" فنان في هذا البلد أو في هذه التجربة، وإنما يتعين في قبول "ثقافة الصورة" في أحوال بلادنا مع التشكيل، طالما أنها بلاد لم تعرف مثل هذه الثقافة، التي انطلقت في أوروبا وذاعت فيها وانتشرت منها إلي غيرها، بما فيها إلى بلداننا.
وهو تاريخ له أن يتوقف، لا لدرس تجليات الصورة الفنية وحسب، وإنما أيضاً لدرس ما حال دونها، أو ما كانت تواجهه مثل هذه الثقافة الفنية الوافدة من قيم وأساليب وذائقة واستحسانات واستقباحات في ما يتداوله الناس في معاملاتهم وبيوتهم ومقتنياتهم وخياراتهم. وهذا بقدر ما يشمل المقتنى يشمل البيت وموجوداته، والمكان العمومي ومعروضاته وغيرها مما يدل على حياة الفن – أياً كان شكل هذا الفن – في هذا البلد أو ذاك.
لهذا يمكن القول إن إغفال "ثقافة الصورة" بمعانيها المتعددة والمختلفة يبطل أو يخفف من قيمة أي مسعى جدي لدرس تبلور التشكيل في بلادنا، طالما أنه يحيد عما كان عليه هذا البلد في خياراته الذوقية، ولا سيما عند الفئات المتنعمة والمثقفة فيه.
وهو منظور للتاريخ الفني لا ينحصر واقعاً في حدود اللوحة (أو المنحوتة وغيرها)، وإنما يتوسع ليشمل تجليات الذوق كلها، فلا يفصل بين "الحرفة" و"الفن"، أي بين "الصناعات التقليدية"، كما أصبحنا نسميها، وبين تعبيرات التشكيل الحديث، التي باتت تحتكر وحدها اسم "الفن"، أو "الفن الراقي".
لهذا يمكن القول إن عروض النقد الفني – على أهميتها – تكمل ما تقوم به الصحافة، ولا تسد حاجتنا التاريخية إلى متابعات وتحقيقات ميدانية عديدة، يشارك فيها فضلاً عن الناقد والمؤرخ الدارس الأنتروبولوجي ودارس الأدب وغيره، خصوصاً وأننا نتحقق من تاريخية أشكال فنية وأدبية تغيرت معاً، في السياق الحضاري نفسه أحياناً، وشملت قيم المجتمع مثل أفضلياته في نطاقات الحياة والذوق والقيمة وغيرها.
(21-7-2007).