الفن العربي بين ترويجه وحفظه

 

تتوالى الأخبار، مرة من لندن ومرة من دبي، عن مبيعات علنية للفن العربي الحديث، في الآونة الأخيرة. وهو ما يؤكده أكثر من فنان ومقتن ومتابع لأخبار الفن، ولا سيما وقائع مبيعاته. وهي أخبار تترافق بدورها مع نشأة متاحف جديدة في الخليج، بين قطر والإمارات العربية المتحدة. فيما وصلت أخبار متأخرة عن "اختفاء" مقلق لعدد من مقتنيات "معهد العالم العربي: في الفن الإسلامي أو في الفن العربي الحديث. فماذا تعني مثل هذه الحركة؟

هذه الأخبار جديدة، يضاف إليها طبعاً ما أصاب المتاحف والمجموعات العراقية من عمليات سرقة مشهودة، بل منظمة، تبعت عملية غزو العراق مباشرة. وإذا كانت أخبار سرقة المواد الأثرية "متوقعة" بمعنى ما، فإن أخبار سرقة مواد من الفن العربي الحديث جديدة، حتى لا نقول مفاجئة. فماذا أريد أن أقول واقعاً؟

وجب القول، بداية، إن الإقبال على الشراء متلازم مع عمليات السرقة بطبيعة الحال، لأن هذه تجيب على تلك. أي أن الطلب على الفن يزداد، وهو ما يصح في مبيعاته العلنية والشرعية، وهذا ما يسعى إليه أيضاً "سارقون محترفون" يعملون على مد السوق بمواد جديدة وبأسعار رخيصة بطبيعة الحال. إلا أن الجديد في هذا المجال هو الإقبال على سرقة مواد الفن العربي الحديث، طالما أن سرقة المواد الشرقية القديمة، بما فيها مواد الفن الإسلامي، معهودة ومعروفة وتصيبها مثلما تصيب غيرها من فنون العالم القديمة. أما سرقة مواد الفن العربي الحديث فتشير إلى عناية مستجدة بهذا الفن، وهو ما يتمثل في ارتفاع أسعار مزاداته العلنية. وهو ما تفسره أيضاً عمليات تزوير متزايدة يتحقق من حصولها تجار الفن وأصحاب صالات العرض العربية، فضلاً عن الجامعين والمقتنين، في العقود الأخيرة. وهي كلها مؤشرات دالة على ارتفاع في منسوب القيمة الفنية والمالية بالتالي. فماذا تعني هذه الحركة؟

لا يمكن تفسير هذه الحركة النشطة من دون حركات الشراء والجمع والحفظ التي أقدمت عليها جهات وأفراد، ولا سيما في بلدان الخليج العربي، وطاولت إنتاجات الفن العربي الحديث، في بلدانه وأعلامه وتجاربه وأساليبه المختلفة. بل يمكن القول إن هذه الحركة انتقلت من حركة "الجامعين الفرديين"، الذين عرفناهم في أكثر من بلد عربي، ومنذ عقود بعيدة، إلى حركة أوسع وأكثر شمولاً وتمثيلاً، وتعينت في عمليات شراء واسعة، ما تشكل في مجموعات فنية كبرى وذات تمثيلية عالية. وهو ما بات يظهر للعيان في عروض فنية واسعة لهذه المجموعة أو تلك أو في كتب تعريفية بها. وهو ما بات يظهر أيضاً في حركة ونشاط بعض تجار الفن في أوروبا وأميركا حول هذا الفن، في عمليات شراء أو "نصائح" بشراء هنا وهناك.

هذه مؤشرات مختلفة دالة طبعاً على عناية، بل على تقدير لهذا الفن. وهي عناية تصيب هذا الفن كله، إذ "تعترف" به عملياً على أنه جدير بالاستثمار، وإن أصاب هذا التقدير فنانين أكثر من غيرهم، ولا سيما المتوفين منهم. إلا أن ما يجب الانتباه إليه هو أن هذا التقدير الخارجي لهذا الفن، ودخوله بالتالي في دورة التداول الغربية، ما كان له أن يتم لولا الإقبال المحلي عليه، أي لولا تشكل مجموعات ومتاحف في البلدان العربية. لهذا يحار الدارس في تعيين الوجهة الممكنة للحركة الإيجابية هذه، وهو ما أطرحه في عدة أسئلة: ألن تتزايد قيمة هذا الفن بدخوله إلى السوق الغربية؟ ولكن ماذا عن القيمة التاريخية لهذه الأعمال الفنية، ولا سيما الأولى والتأسيسية لهذا الفن في بلادنا؟ هل نفقد ذاكرتنا البصرية بحجة ترويجها وتعميمها وتدويلها بالتالي؟

(2-6-2007).