إن كتباً، مثل الكتاب الذي خصصه نبيل أبو مراد للأخوين رحباني ("دار أمجاد للنشر والتوزيع")، ثمينة ونادرة. كيف لا ونحن ننتبه إلى وجود مؤلف واحد موضوع عن هذه التجربة، في سلسلة الأربعين مرجعاً التي يلحقها المؤلف بكتابه، وهو في عنوان "الصلاة في أغاني فيروز " لجوزف عيد (جامعة الروح القدس، 1974). وما يشدّ انتباهنا أكثر إلى هذه المحاولة، الرائدة، على ما يبدو، أن واضعها إختصاصي ومسرحي معروف، بالإضافة إلى أنه يتناول "حياة ومسرح" الأخوين رحباني، حسبما يشير في العنوان. فالحاجة مزدوجة إلى الكتاب: لفهم هذه السيرة، وهي سيرة قلما عرفنا مثيلاً لها في عالم العربية، حتى حين نتحدث على الثلاثي الآخر، أم كلثوم،-أحمد رامي– رياض السنباطي، والحاجة أيضاً لدراسة هذا النتاج، الذي يتصل لغير سبب فني بالأغنية والمغناة، واللغة الشعرية...
إلا أن تشوقنا إلى صدور كتاب من هذا النوع جعلنا متشددين في قراءته وطالبين منه أكثر ما يستطيع، ربما. فالسيرة التي يفرد لها أبو مراد الصفحات الأربعين الأولى من كتابه تأتي سريعة من دون تمحيص، مكتفياً فيها بسرد، أو بإيراد ما قاله منصور الرحباني (وعاصي أحياناً) له عنها، أي من دون أية وجه نظر أخرى. كان ذلك أقرب إلى تسجيل المحاورة الصحافية منه إلى كتابة سيرة، عدا أن سردها يتوقف لمجرد التقاء الثلاثة و"بداية المشوار"، حسب أحد العناوين.
إلا أن السيرة على اقتضابها، توفر لنا اطلاعاً على تكون هذا الثلاثي، فنتعرف على نسب الأخوين وأصولهما العائلية والتربوية وغيرها. نعرف عن طفولتهما أنهما تربيا في عهدة أب قبضاي وأم تقول الزجل في إنطلياس (من ضواحي بيروت)، وأنهما اعتادا على أجواء الحفلات والسهرات في "فوار انطلياس"، المطعم المعروف، بعد أن أداره والدهما، الملاحق من قبل السلطات العثمانية بعد أن أصدرت في حقه غير قرار بالإعدام (من دون أن نعرف السبب)، كما نعلم أيضاً أن عاصي أصدر مجلة في عنوان "الحرشاية" (الحرج الصغير) في 1937، وهو في الرابعة عشرة من عمره، كتب موادها كلها، وأنه، مع منصور هذه المرة، في 1952، أصدر ديوان "سمراء مها" عن دار "الرواد" في دمشق، بتوقيع "الأخوان رحباني"، وضم الديوان 77 قصيدة وأغنية، بعضها مترجم عن اللغات الأجنبية. ويورد أبو مراد بعض شعرهما في كتابه. كما يتحدث عن لقائهما، لا بل عن التحاقهما بجوقة الأب بولس الأشقر (-1952) في 1939 وتعلمهما أصول الموسيقى والأناشيد الكنسية خصوصاً. إلا أن ما ينجح أبو مراد في عرضه، وفي تقديم معلومات غير كافية عنه حتى الآن، هو تقديم لوحة فنية عن بيروت بين الأربعينيات والخمسينيات اندرج فيها عمل الأخوين كما انطبعت هي بدورهما. فنتعرف على وجود 54 فرقة مسرحية عاملة في هذين العقدين. وهي حركة قوية، لا سيما بعد أن اضطر غير لبناني عامل أو طامح بالعمل في الفن في بدايات القرن إلى السفر في القاهرة، مثل جورج أبيض وآسيا داغر وماري كويني وغيرهم. لا بل نتبين في هذا المشهد أيضاً بدايات ما يمكن أن نسميه باللون اللبناني في الغناء، والذي تمثّل في نوع الأغنية القصيرة (3 دقائق) ذات الكلام العامي اللبناني: عمر الزعني (لبنان محلا فياتك، لو كنت حصان...)، نقولا المني (قولولي شو هالنصيب، يا هويدلك...)، سامي الصيداوي (يا جارحة قلبي، بتندم....) ومتري المر (يا لور حبك...). وفي هذه الأجواء التقيا بنهاد حداد، التي أعطاها حليم الرومي اسم فيروز، وتزوج منها عاصي في 1954.
"التقيا من دون موعد، أو بناء على موعد قرره فرمان قدري ليس لأمره مرد ولا لحكمه نقض": بهذه الكلمات يقدم أبو مراد للقاء فيروز بعاصي، أي أنه يقع سلفاً تحت تأثير "رحباني" المنزع. فهو لقاء "قدري"، أي وفق الصور التي تروج في أدب الرحابنة، كما سنرى ذلك لاحقاً. وهو كلام غريب حين يؤكد: "ولا لحكمه نقض"، حين نعرف أن فيروز انفصلت عن عاصي في السبعينيات... تتوقف السيرة بمجرد الزواج، ويسكت أبو مراد عن القول المباح. ذلك أن غرضه من الكتاب التعرض أساساً لمسرح الرحابنة ولكتابتهما الدرامية، بدءاً بـ"موسم العز" (1960) حتى "الربيع السابع" (1981)، أي ما ينيف على 20 مغناة.
يقوم أبو مراد بقراءة تقليدية لهذا المسرح، فيقسمه إلى مراحل، ذات محددات أسلوبية، إلا أنها تتوسل التحقيب الزمني: مرحلة القرية، المسرحيات التاريخية والملحمية، مرحلة الواقعية الاجتماعية والمجموعة الأخيرة. لهذه التقسيمات ما يبررها في نتاج الرحباني، وفيها نجد أيضاً فهماً ولو ضيقاً لمعاني هذا النتاج، إلا أنها لا تكفينا ولا ترضينا، لا كتقسيمات ولا كقراءة.
يشير أبو مراد، هنا وهناك، إلى بعض أصداء الواقع السياسي، اللبناني والعربي، في مسرحيات الرحابنة، فيتوقف أمام أثر العمل الفدائي الفلسطيني على "جبال الصوان"، إلى غير ذلك من التعالقات، التي تبقى محدودة في نهاية المطاف. ويغيب عن الباحث إمكان قراءة هذا النتاج في صلة مع زمانه، تكاد تكون مستمرة معززة بعدد واسع من الدلائل القوية.
منذ "موسم العز" نتبين أن العمل المسرحي يقوم على صراع بين جماعتين: "جماعة شاهين الوادي" و"جماعة فارس عبود". هل يمكننا القول إن هذه المسرحية تتصل بما دار عليه الصراع المسلح بين الجماعات اللبنانية في 1958؟ من دون شك، إلا أن هذا التكوين المسرحي سيصبح تأسيسياً لعدد من مسرحيات الأخوين رحباني اللاحقة.
نستعيد في "جسر القمر" (1962) الصراع بين جماعتين، بين ضيعتين: ضيعة صالح وضيعة الجسر؛ وفي "الليل والقنديل" (1963) بين أهل السهل وأهل الجرد، وبين "حي الغيضا" و"الحارة التحتا" في مغناة أخرى.,. إذا كانت هذه الأعمال تتحدث عن صراع بين جماعتين متقابلتين، إلا أنها تجردهما من محدداتهما النافرة: يختلفان في "موسم العز" على رفع "القَيْمة"، أو يتم تحويل مجرى العنف الأهلي وتحميله لشخص واحد: هو "هولو"، أو "فهد العابور"، أو "راجح".
إن هذه الأعمال، كما نرى، تحكي العنف الأهلي في صورة مطهرة له، فنجدهم يختلفون على رفع حجر، أو على وجود القناديل، أو على بيع القصب (في "دواليب الهوا").إلا أن ما بدا على صلة، ولو محرفة، بوقائع ومعطيات لبنانية، سيتبدل في الأعمال اللاحقة، مع تكريس فيروز كقطب في تصور العمل الرحباني، وكمؤدي إيجابي لأي صراع فيه. سيتحول الصراع من وجه "أهلي" بين جماعتين محليتين، إلى وجه "وطني" بين شعب (اللبناني) وآخر محتل (عثماني أو مجهول باقي الهوية)، على أن تكون فيروز قيدوم الشعب المقاتل. هذا ما سيقوم عليه التكوين في "أيام فخر الدين" (1966) و"جبال الصوان" (1969) و"ناطورة المفاتيح" (1971) وغيرها.
إن قراءة أعمال الأخوين رحباني ليست كافية إذا انحصرنا بفهم موضوعاتها وتتابعها لأنها، على ما بدا لي، كانت ترسم، عملاً تلو عمل، أسطورة فيروز ليس إلا. الأخوان رحباني عملا على رسم هذه الشخصية، مشددين أو مخففين من كلامهما بين هذا العمل أو ذاك، ولكن من دون أن يحيدا أبداً عن رسم هذا الوجه كرمز. وقد نجحا في ذلك، وأي نجاح! ونحن نتبين من خلال هذه المسرحيات كيف كان لهما أن يصوغا هذه الشخصية ومن أي مصادر. وقد يقول قائل: فيروز صوتها قبل كل شيء. ربما، إلا أنها ما كان لها أن تحتل هذا الموقع الفريد المنزه، حتى الآن، على رغم ويلات الحرب، في وجدان اللبنانيين، لولا دأب الأخوين رحباني المديد على مدها بأسباب البقاء وبتحويلها إلى "سيدة لبنان"، وفوق كل اعتبار.
مسرحيات الأخوين رحباني هي السيرة الذاتية لأسطورة فيروز، أي سيرة "هذه الصبية" التي تقاضت ليرة واحدة على دورها في "أيام الحصاد" في مهرجان بعلبك الثاني، والتي تحولت إلى اسم وصوت وصورة، بعد تغييب مؤشراتها المادية الدالة عليها، ولا يجوز المساس بها. إلا أنها ما كان لها أن تصبح "أسطورة"، إلا لأن أعداداً واسعة من اللبنانيين وجدت فيها، ما تقوله عنهم وعنها، أسباباً للإنجذاب. أي أن قراءة ملامح صورة فيروز في مسرحيات الأخوين رحباني تمكننا أيضاً من قراءة شيء من صورة بعض اللبنانيين أيضاً. فكيف كان ما كان، أو ما انعقد بين هذه الصورة وهذا الوجدان؟ آخر عمل لفيروز مع الأخوين رحباني "بترا" (1977) يظهر ذلك: تحكي هذه المسرحية، حسب كتب التاريخ، قصة صراع الحارث الثالث (دولة الأنباط في عصرها الذهبي) مع الرومان، ولكنها تحولت، أو جرى تجيير هذا الصراع التاريخي إلى مالك الثاني الذي حكم بعد مئة سنة. أي أن الأخوين رحباني طلبا في العمل الصراع بين الحاكم المحلي والمستبد الأجنبي، وهذا ما تحقق مع الحارث الثالث، إلا أنه لم تكن لهذا الملك زوجة ذات دور نافذ، مثل شيكيلد زوجة ملك الثاني، وهكذا جرى تجيير التاريخ لفيروز ودورها، وهو ما يقوله أبو مراد نفسه: "من هنا فقد فرضت شخصية البطل-المرأة نفسها مرة أخرى، واعطي لفيروز الدور المناسب، وإن تطلب ذلك تحويراً في السيرة التاريخية". لا يعنينا أمر التحوير هذا كثيراً، فالأخوان رحباني فنانان لا يستعيدان التاريخ بقدر ما كانا يصفان تاريخاً لشخصية، هي فيروز، وفي هذا تبدو قوتهما ويتضح مشروعهما. إلا أن فيروز في هذا العمل متزوجة، ولها بنات، وللمرة الأولى على ما نعلم.
ذلك أن فيروز لا تشيخ أبداً، بل تبقى الصبية الحلوة، كما في "ميس الريم" (1975)، وترفض الزواج من "مختار المخاتير"، ومن الملك في "هالة والملك" (1967). صبية حلوة من دون أن يكون لها صديق أو عشيق أو حبيب (خارج الأغنيات طبعاً). ذلك أنها "منذورة" كما بفعل ديني، أو مسمرة على الجسر، ومسحورة في "جسر القمر"... لها أهل ونسب ولكن من دون زوج أو حبيب، ذلك أنها مطهرة، إذا جاز القول، من كل دنس. لا بل تطل أحياناً أشبه بالقديسة: في "أيام فخر الدين"، فيما الأمير محاصر في قلعة جزين، "تظهر" عطر الليل (اسمها) أمامه، فيسألها الأمير: "عطر الليل، كيف جيتي لهون؟"، فتقول له: "مشيت، وصلت...". هي "تظهر" طبعاً بشكل عجائبي، على ما نراها في شخصية "غربة" في جبال الصوان" (1969): "جميلة (دور نسائي): شوفو الشمس/احمرت خلف الجوزة (شجرة الجوز). الكل (مجموع الممثلين): احمرت الشمس/انكسر الغيم/ولعت الجوزة، احمرت الشمس". ثم تطل غربة.
هي ليست بنتاً منزهةً فحسب، بل رقيقة ومسالمة إلا في دور "غربة" الغريب فعلاً في بوتريهات فيروز، هي داعية خير، ومقربة إلى القلوب، لا بل يؤدي بها الأمر في "ناطورة المفاتيح" (1971) إلى تجنب مواجهة الحاكم، فيهجر الشعب لإبقاء الحاكم وحيداً، صارخاً فيهم: "شو أنا بلاكم؟ أنا بيدر مهجور، أنا قشه بالريح، أنا بيرق مكسور".
ذلك أن البنت مسمرة فوق الجسر في "جسر القمر" طالما أن قرية صالح وقرية الجسر تتصارعان بالفؤوس والعصي، فلا يحررها إلا الحب ودعوة الوئام بين المتخاصمين. وهذا ما تقوله في هذه المغناة: "يا شيخ المشايخ/رح قلك هالكلمة/صوت المعول أحلى/من رنين السيف/والرضا أحلى من الزعل/والسلام كنز الكنوز". هي مسالمة، وبريئة تتهم بهتاناً، مثلما هي عليه في شخصية "لولو" (1974): يلصقون بها الجريمة، ولكن تتضح براءتها قبل نهاية العمل. وهي، حين تقدم على فعل مشين، مثل سرقة المفاتيح، ولكن لفائدة عمومية (ختم معاملات الأهالي) في "صح النوم" (1970)، تقول: "شفتك (رأيتك) نايم يا مولانا/والأشيا غابت عن بالي/ونسيت حالي/أنا ما سرقتو/هو سرقني يا مولانا الوالي".
شخصية فيروز، كما يقول لها الحرامي في "محطة" (1973)، منزهة: "أنا جيت من السرقة، وانتِ جيتي من الحلم". ومن الايديولوجيا أيضاً، بفعلٍ كان يجد فيه بعض اللبنانيين ما يطهرهم من العنف المختزن.
(جريدة "الحياة"، لندن، 1991).