وأنا أستعيد وقائع السنة المنصرمة، قبل أيام وحسب على ختامها، أتحقق مما جرى، مما عمله الصحافي، "مؤرخ اللحظة"، كما سمّاه أحد كبار جريدة "الموند" الراحلين. أتحقق مما جرى، ومما غاب خصوصاً. ما غاب عمداً. ما سقط سهواً. لسبب أو لآخر. أو ما انتبهتُ إليه بعد فوات الأوان. ذلك أن ما نقوم به يبقى اختياراً، مهما قيل عن "الموضوعية"، وعن "إلزام الخبر". ويبقى "معالجة مخصوصة"، مهما تحدثنا عن الرصانة.
ذلك أن السنة تمضي ونحن لا نزال "نمشي بين النقط". أو فوق الرؤوس الدقيقة للعبارات. تمضي، ونحن نمني النفس بأنه سيكون لنا يومٌ نقولُ فيه ما يحلو لنا قوله. وتمضي أحياناً من دون أن نكتب ما يقع تحت أنظارنا، ولا ما يعتمل في وجداننا. من دون أن نصحح ما كتبناه غلطاً، أو ما تجنبناه في حذاقة. وقد تمضي مع غضبها أو فرحها المؤقت، مع ما يحمله كسل الأيام، أو حركاتها الخفيفة، مثل أوراق "بولفار آراغو" في خريفه البني. قد تمضي، على الرغم من كون الجريدة تفتح صفحاتها لروائح الزمان، ولهذه الموسيقى الخلفية (بل الخفية) التي تصاحبنا بين نزول كلمة على السطر وصعود أخرى. قد تمضي مثل جريدة نسرع إلى اتلافها على الرغم من عجلتنا وتلهفنا أحياناً لقرائتها.
يحدث لي أحياناً لي أن أقرأ "الحياة" بعد وقت، لسفر أو سبب آخر، فأراني أقلب الصفحات على عجل، على الرغم من الحيوات العاصفة فيها. أقلبها من دون الارتعاشات التي تصيبني حين أسارع، أنا مع توجساتي وتوقعاتي ومزاعمي، لشرائها في الصباح. أقلبها طاوياً الصفحة تلو الصفحة، من دون شعور بالخسارة ولو سقط القتلى بالمئات؛ من دون شعور فادح بالهزائم، حتى لو كانت قاسية: حادثة ومَرَّتْ. ألا يبقى لي – إذا أردتُ اقتصاداً لانفعالاتي – غير أن أقرأ الجريدة بعد وقت، ربما بعد وقت طويل، لما لأخبارنا العربية فيها من وقائع منكسرة؟ إلا أنني قد أكون مهدداً، فيما لو اتبعتُ هذا الاقتصاد، بالانقطاع عن القراءة، أو بتأجيل الحياة وحسب، أي بقطع هذا الهوس الذي يبقى، وإن كان يفرحني أقل مما يحزنني، العلامة الأكيدة للحياة، و لو بمؤشرات حزينة.
***

أقلب الأيام جاهداً، كما لو أنني أثبت النظر على التي اندست سريعاً بين المعاطف في زحمة العائدين في قطار المساء. أحداث انقضت على عجل، حتى أنها تبدو منتزعة، فيما لو استعدناها، من سنوات ماضية. مثل علم فلسطين الذي عرفه الفتى الفلسطيني في سماء القدس ليلة توقيع "اتفاق غزة وأريحا أولاً".
أقلبها، فإذا بي أقرأ أن عدد المهاجرين من لبنان يبقى أكبر من عدد العائدين إليه. أو لا أجد في ما قرأت في "الحياة" رجاء العائدين من الفلسطينيين: أهي هذه بوابة "العودة"!؟ هل تستحق زنوبيا أن نحني رأسنا إلى هذا الحد لكي نقوى على الدخول من تحت بابها الواطئ؟ وماذا أقول عن فرح الطالعين من تحت أسر "الغولاغ"، وهم يزدادون طولاً في الصفوف الصابرة أمام واجهات المحلات المفقرة أكثر فأكثر؟ كما لو أن الديمقراطية الموعودة ما جلبت معها سوى "الهمبرغر" و"المافيات" والعصبيات الديماغوجية والشوفينية وهذا البؤس اليومي الذي نراه يأكل الوجوه.
فترة صعبة وسنة قاسية، لا نتبين فيها هذا الانتصار الجلي الذي حدثنا عنه فوكوياما في كتابه الذائع الصيت "نهاية التاريخ"، ولا نقع على مسيرة الشعوب الأكيدة صوب خلاصها البين. حتى سولجنتسين يتباطأ في عودته الظافرة المعلنة منذ سنوات عدة إلى روسياه الأثيرة! أما فاكلاف هافيل، وقد أصبح رئيساً للجمهورية للمرة الثانية، فنحن لا نكاد نسمع له صوتاً! وليش فاليسا، الرئيس الآخر، شذب شاربيه الشهيرين وحسب. أما بنازير بوتو فقد وجدتها وحدها واثقة من انتصارها، سيما وأنني وقعتُ على صورتها في صدر الصفحة الأولى من "الحياة" غداة انتصارها، وهي تلاعب حبات سحبتها مثل إقطاعي قانعٍ في مقعد الولاءات المضمونة.
تستسيغ الكتابةُ، في بلبلة مماثلة، العودة إلى "القيم الأكيدة"، إلى الأيام المجيدة، أيام "البنيوية" الزاهرة. غير كتاب عاد بنا إلى سيرة هذا العَلم أو ذاك، من ألتوسير إلى لاكان؛ أو إلى مراجعات ذات طابع تلخيصي وترتيبي وتعليمي في عالم الأفكار. كما لو أن علينا أن "نراجع" و"ندقق" ليس إلا، ذلك أن الخروج غير مستحسن تحت ضباب مماثل. إذا كانت كتب الفلسفة ظلت نادرة فيما عدا كتب "يتيمة" لجاك دريدا عن "أطياف ماركس"، أو "العيادة والنقد" لجيل دولوز وغيرهما، فإن إصدارات العلوم الإجتماعية والإنسانية، لا سيما مع كتابي بيار بورديو "قواعد الفن" و"فرنسا تتكلم: بؤس العالم"، عرفت شيئاً من الرواج وأثارت شيئاً من النقاش.
كتبٌ تتحدث عن الألم "الأكيد"، والذي لا يتطلب تعيينه طول معاينة أو تعليل. تتحدث عن "المهمشين"، عن "المنبوذين"، عن "الفقراء الجدد"، من دون أن تقوى على تبين "المرضى المياومين" الذين يفقدون الرجاء يوماً بعد يوم، في عالم يبدو مثل مشقة لا مثل حياة هنية أو رهان جميل. بلبلة لا يتمكن الباحث فيها من الركون إلى ما يبدو له مثل "فوضى متشظية"، لا مثل "فضاءات مُحررة".
كيف له أن يقنع بمحاسن هذا "النظام العالمي الجديد"، إذا كانت الجهة نفسها هي التي تعين "الحد" و"القانون"، سواء في السياسة أو في الثقافة أو في... الأكل؟ أي كونها – فيما لو محضناها أنبل الصفات وأعدل المشاريع – تعين لغيرها من الشعوب المعايير، انطلاقاً من موقعها، مما هي عليه، مما تراه "العادل" و"الصائب" و"الإنساني". كيف لنا أن نسلم بهذا كله إذا كانت الجهة نفسها التي تعين "الحد" و"القانون" هي نفسها "الأغنى" و"الأقوى"؟ كما لو أنه يتاح فقط لمن يمتلك قوة التعيين والتسمية أن ينحي ويجمع، أن يرتب مقامات الناس، أن يذوق محلات الوجع والاستنكار، وأن يعين مقاييس العدل، له ولغيره أيضاً! وإذا كانت السلطات في بلادنا تحيلنا إلى ذوات معطلة الرأي والتدبير والقرار، فإن حثنا على "التقدم" و"الديمقراطية" لا يعدو كونه يعاملنا على أننا "شعوب في حضانة" في أحسن الأحوال!
بلى، سعى الأدباء، ومن غير بلد في العالم، للرد على الحالة، حتى أنهم أطلقوا على اجتماعهم في ستراسبور (فرنسا) اسم "صرخة العالم"، أو "برلمان الأدباء". تنادى هؤلاء الأدباء للاجتماع، بعد أن راعهم هذا السكوت الذي يتعمم هنا وهناك – سكوت من لا يقوى على إيقاف عملية محو نقاط الاستدلال والاسترشاد الإيديولوجية والإنسانية. هل يقوى الأدب أن يكون هذه الرافعة الدفاعية الجديدة، هذه الحدود التي لا يمكن تجاوزها من دون المس بحق أساسي عند الإنسان؟ هل يمكن الحديث فعلاً عن "حق الإنسان في الأدب" وإضافته إلى غيره من "حقوق الإنسان"؟ العلاقة مستحدثة أو مستعادة بين السياسة والأدب، وتشي بماضيها القريب والمرتبك في آن.
احتل "برلمان الأدباء" واجهة الأحداث ثلاثة أيام. ثم انتهى الخبر.
لا يقوى الأدب فعلاً، ولا الإيديولوجية خصوصاً، على شد الهمم من جديد. وليس أدل على ما نقول إلا النقاش الذي صاحب مفاوضات "الغات". وإذا كانت هذه المفاوضات أثارت شيئاً من النقاش حول "الاستثناء الثقافي" في الشهرين الأخيرين في فرنسا، فإن هذا النقاش شكا من غيابه التام في غيرها من البلدان. نجحتْ فرنسا ومعها المجموعة الأوروبية، في الأيام الأخيرة من هذه السنة، في "تأجيل" المفاوضات حول شروط إنتاج وتصدير النتاجات الثقافية، لا سيما التلفزيونية والسينمائية، بين البلدان. ولكن من دون أن يعني هذا "التأجيل" إيقاف ما يجري خارج المفاوضات، وهو أن هوليوود تسيطر، مع "الغات" أو من دونها، على ما يشارف الـ65 و80 بالمئة من السوق. وإذا كانت اتفاقية "الغات" تسهل للدول الغنية خصوصاً، بل تُسَرِّع، شروط التبادل فيما بينها، فإنها لا تعني سينمائياً وتلفزيونياً، بعيداً عن الكلام الديماغوجي عن "حرية انتقال الإبداع"، سوى تمكين الأقوى من السيطرة، من التحكم بأذواق الناس. لا تعني سوى تحويلنا إلى... متفرجين وحسب!
وإذا كنا لم ننجح بعد في انتخاب مختار من دون "تعليمات" لتوجيه قرارنا، فإن غيرنا يخطط لبرامج ليالينا، بل لكوابيسنا أيضاً.
***

مضت أيام السنة 1993 من دون أن أجد فيها محلاً لـ"الشيخة ريمتي". أضعتُ ورقتها بين أوراقي، مقتطعة من جريدة فرنسية. قالت الجريدة عن هذه المغنية "القبايلية" أنها مسلمة في صورة "طبيعية"، وأنها "متسامحة" تماماً. هي ليست "غالية" إذن، ولا "متهورة"، وتقر بتعدد الأديان، لا بل تسمح بها: أهي "الشيخة ريمتي" التي تُقلق وتُبلبل إلى هذا الحد؟ أما عاد ممكناً تعريف هذه المرأة المغمورة "بذاتها"، في وجودها نفسه، في ما تراه وتتبناه؟ ألا يتاح لها أن تخرج من عتمتها إلا مصحوبة بضوء كاف يُعمي الناظرين إليها أكثر مما ينيرها؟
كلام في كلام. كلام من ورق، ولكنه موجع. ذلك أننا، مهما قلنا عن التبصر والتبين عند الصحفي، فهو يبقى محكوماً بما يميل إليه أو يتشوف إليه، بما يعينه على أنه الطيف الذي يهدده. يبقى كلامه ممتزجاً بما "يلوِّن" الأيام، أو "يلوِّثها"، بخلاف ما قاله جورج شحادة فيما مضى: "من يحلم يمتزج بالهواء".
***

لمهنة الصحفي لذتها المفاجئة، كالتي تجلبها الرهانات الموفقة. إلا أن فرحتي لا توازي طبعاً ما عرفه أمين معلوف حين بلغه خبر فوزه بجائزة "الغونكور". ذلك أن فوزه يبقى رهاناً ليس بالهين أبداً، مهما سارع البعض، بعد حدوثه، إلى القول بأنه كان "متوقعاً"، بل "محسوباً" . تماماً مثلما جرى قبل ست سنوات مع الطاهر بنجلون حين فاز بدوره بهذه الجائزة. كيف لا يفرح، وهو يتحقق من كونه نجح في الرهان الذي اختطه لنفسه قبل عشر سنوات، حين قرر خوض غمار الرواية التاريخية من دون سابق تجربة أو إنذار. أذكر أنني حادثته عن القص في كتاباته الصحفية المخصصة للقضايا الخارجية في مجلة "المستقبل"، عند صدورها، وأنه قال لي يومها: "هل نقوى بعد على فهم التاريخ، أم على روايته وحسب؟"
اختط معلوف لنفسه سبيلاً في الكتابة، غير ما عرفه والده وآل المعلوف، إلا أنه ظل وفياً، على ما أعتقد، لمنزع "توسطي إيجابي" في الكتابة، يقوم على سرد قصص الغير، على تقديمها، على أنها قابلة لتقديم أمثولات نبيلة. إلا أن المنزع هذا "لبناني"، إذا جاز القول، لا يقوم على "التوسط" وحسب – وهو في أساس "دور لبناني"، كما يقولون – بل على جلب أمثلة من تجارب الغير تؤكد على "لزوم التعايش" بين الثقافات والأديان المتناحرة، من ليون الإفريقي "المترجم" إلى ماني جامع التناقضات.
إلا أنني أتساءل، وهو يكتب لأول مرة عن لبنان في روايته الفائزة "صخرة طانيوس"، ما إذا كان يودعنا في تحيته هذه لقرية شبيهة بقريته "عين القبو": ألا يغيب بدوره من على صخرته، خلف خطى طانيوس غير المنظورة؟
***

نتحدث عن "مؤرخ اللحظة"، فيما يبدو عمل الصحفي الثقافي في غالب الأحيان لاحقاً للحدث (كأن تكتب عن هذا الكتاب أو ذاك بعد أسبوع أو شهر على صدوره)، أو مستبقاً له، بانتظار الخبر المؤسف (مثلما جرى لنا مع موت الشاعر السوري الراحل عمر أبو ريشة غيره). طبعاً لم تصل صحافتنا إلى ما بلغته الصحافة الفرنسية، على سبيل المثال، وهو الإعداد المسبق لميتات "الكبار": تكفي إذاعة خبر الوفاة لكي تسقط على الصفحات "شاهدة" القبر المستطيلة!
منقطعون عن الأحداث، إذن، أو نتعاطاها بعد وقت، مثل "البث المؤجل". فلا نعايش الحدث فعلاً، أو نواكبه تماماً، إلا في مرات قليلة، في الميتات طبعاً أو في أخبار الأدب الكبرى، مثل أخبار "نوبل للآداب".
"الأكاديمية السويدية" أربكتنا هذه السنة، نخن مثل غيرنا، فأعطت جائزتها للكاتبة "الإفريقية–الأميركية" (كما تعين نفسها) طوني موريسون. أربكتنا لأنه كان علينا أن نقلب طويلاً قبل أن نعرف أدب هذه الكاتبة. إلا أنها أسعدتنا أيضاً، فهي لا تتوانى، منذ ثماني سنوات، عن منح جائزتها لكتاب غير غربيين، معترفةً بأن هناك أدباء، في المكسيك (أوكتافيو باز)، وفي مصر (نجيب محفوظ)، وفي نيجيريا (والي سوينكا). كأنها تعوض عما فاتها، بعد أن خصت آسيا بجائزتين وحسب مع طاغور الهندي وكاواباتا الياباني ... السلام. على أمل أن تلتفت ذات يوم لما يجري في الصين. ذلك أنها تبقى جائزة، مهما قلنا عنها، لا تعكس حال الأدب في العالم، إلا كما تصل أخباره وتبلغ أعضاء اللجنة في استوكهولم.
***

وماذا عن القارئ "اللبيب"؟ هل يقرأ ما نكتبه فعلاً؟ يحق لي أن أتساءل عن ذلك، بعد أن تبين لي في غير مناسبة أنه لا يقرأ إلا ما يضمره في القول، وما يظنه، لا غير. فهذا كاتب لبناني يضرب بعرض الحائط ما قلته عن آراء هذا الفيلسوف الفرنسي في كتابه الجديد، مدافعاً عما يعتقده ويظنه أنه رأي الكاتب الفعلي، من دون أن يكون قرأ الكتاب، على ما يصرح بذلك! وهذا يطبق الدنيا ويقعدها لأنني ما التقيته ذات يوم، فيرسل "الفاكس" تلو "الفاكس" إلى رئيس التحرير وغيره من المسؤولين في الجريدة، مشككاً في ما كتبت، على الرغم من كوني قابلت أكثر من ستة أشخاص لإعداد تحقيق! أو ذلك الأستاذ الجامعي الذي ندد بآرائي "الما بعد بنيوية" (حسب تعبيره) في مسألة الفن الإسلامي عند الدارسين المستشرقين، والتي يقر بها حين تكون لإدوارد سعيد (الذي لم يكتب في هذا الشأن، على ما أعلم)، لا لي على أي حال! أو تلك القارئة "الوطنية" التي تريد أن "تصحح" و"تصوب" مشاعري الحزينة والغاضبة، وأنا أستعيد الصلة ببيروت بعد طول غياب وحنين!
هذا تسديد "متأخر" لحسابات قديمة؟ طبعاً، لأنني أدفعُ هذه النتف في هشيم النار التي تمضي مع هذه الأيام الأخيرة، مثلما جرت العادة في آخر السنة.
***

أنهيتُ مقالتي هذه قبل نهاية السنة نفسها. وظننتُ أنني قادر، كما في مرات سابقة، على "إعداد" الزمن، على توضيبه واستباقه، بعد أن عودتنا المهنة على هذه "التلاعبات". إلا أن هذه السنة لئيمة، لا تمضي، وموجعة حتى أيامها الأخيرة.
موت الأصدقاء يأتي مبكراً دائماً. مستعجلاً مثل رسالة صاعقة، حتى حين متوقعاً. فكيف إذا أتى مثل "دعسة ناقصة"، كما يقولون. بين دعسة وأخرى، على درج كان للمنور فيه، في هذه اللحظات القليلة، أن يحوي، أن يشد إليه كل ما لم تسمعه الميتات الأخرى – الميتات المؤجلة لمارون بغدادي، الضاج بالحياة. هي ميتة مؤجلة، تأتي بعد وقت ليس إلا، مثل لقطة ختامية تم تصويرها سابقاً. أما رأيتُ، مثل غيري، صورته قتيلاً في إطار أسود في فيلمه "حروب صغيرة"؟ كم سَلُمَ من ميتات، من عواقب عنف هددته غير مرة؟ كما لو أنه تأخر في المجيء، ويسدد على عجل، من دون إمهال، فواتير الحرب... المستحقة. كيف لا، وغيره ممن جعل الموتَ تجارةً يزدرد الحياة بصفاقة، لا بل يحمل شارة الحداد في الصفوف الأولى! بلى، في موته أسباب نقمة، ذلك أنه كان رفض من دون شك أن يكون "شهيد" الشتات اللبناني، شهيد هذا اللقاء القاسي من جديد مع بيروته الأثيرة: بيروت، يا بيروت!
هذا ما أقوله لنفسي، أي أُدبرُ له، لي بالأحرى، تفسيراً لميتته، ونسقاً سوياً لها. فيما لا أحتمل عواقب انزلاقة قدمه – هذه الانزلاقة التي بدت تفضي مباشرة إلى الموت. ذلك أننا حين ودعناك في باريس، كنا نودع أيضاً شيئاً من عمرنا، ونتدبر أسباباً للعيش بعدك، معك ومن دونك.
موت مؤجل، موت محتم، موت استفزازي، موت جهم، موت له صفاقة هذه السنة، التي لا تتوانى عن خضنا حتى ساعاتها الأخيرة.
كاسك، يا مارون، ذلك أننا سنبقى مدفوعين بقوة لا شفاء منها؛ وفي عجلتنا شيء من لهفتنا اللجوجة للحياة.
وكل عام وأنتم بخير.
)جريدة "الحياة"، باريس، 18-12-1993).