بين الشفوي والكتابي

 

أتساءل، إذ أتابع وأحصي الحشود التي تشارك في تظاهرات، هنا وهناك، ما إذا كانت تقرأ، وأي كتبٍ تقرأ، وغيرها من الأسئلة الثقافية، بل الكتابية الطابع. أتساءل ذلك أنني أنتبه، من جهة، إلى عودة نزعة الشفوي، التي تتمثل في العظات والخطب وكلام التلفزيونات والأغنيات وأقوال شرائط التسجيل وغيرها، بما لها من تأثيرات مزيدة على تشكيل الوعي، وعلى تعيين السلوكات المحركة للدينامية البشرية والاجتماعية، وبما هي محددة أيضاً للدوافع والاستهدافات. كما تتمثل هذه النزعة في الجلسات واللقاءات الحوارية، التي تعني بتأليب الرأي هنا وهناك في المدن والأحياء العربية. وما يحضر في الشفوي يختفي، من جهة ثانية، في الكتابي. وهو ما لا يحتاج إلى ملاحظة وتتبع، إذ أن أخبار معارض الكتاب ومشتريات المكتبات العربية والإقبال على الندوات والمؤتمرات تقل وتضعف وتظهر تراجعاً أكيداً. ويزيد من النزعة الشفوية الإقبال المتزايد على الحواسيب التي هي، في عدد من أوجه استعمالها، تقوية للنزعة المذكورة. فماذا يعني هذا؟

وجب القول، بداية، إن هذه النزعة الشفوية ليست مستجدة وإنما عريقة، بل متجذرة في البيئات الثقافية العربية، ولا سيما في عهود إسلامية أولت القول أسبقية على التأليف. فماذا أريد القول؟ لن أستعيد، في هذه العجالة، الكلام عن "النقولات" التي شكلت سنداً بنائياً أساسياً للثقافة العربية القديمة، في مختلف متونها، من الديني إلى الأدبي. فما انبنى كتاب قديم، في اللغة والأدب والدين وغيرها، من دون أن يكون تأليفه شكلاًَ من اشكال النقل وحسب لما قاله هذا وذاك، على أنه الصحيح والحقيقي والأكيد والصالح وغيرها. وكان لمثل هذه المتون الشفوية أن تكون محل اعتبار وتقدير لو تعينت في بناء "ذاكرة" وحسب، أي لو تعينت (مثلما نقول اليوم في علم التاريخ) في التاريخ الشفوي وحده، أي في التاريخ الذي ينسب المنقول إلى اعتقادات وحسب، لا أن نجعل منه وأن نقره بوصفه التاريخ الرسمي أو العلمي أو الأكيد. فللتاريخ الشفوي معايبه التكوينية، وهي أنه ينسب المنقول إلى شخص بعينه، أو إلى سلسلة مسندة من الأشخاص، ما يعني أن لناقليها مصلحة بالضرورة – حتى وإن كانوا أمينين وصادقين – في إيراد أو إبطال المنقول، أو في توجيهه وفق هذه الوجهة أو تلك. وهو ما نعرفه عن أخبار "المشافهة" في حلقات علماء البصرة منذ القرن الثاني للهجرة: فقد كان يلتقي علماؤها، مثل الخليل بن أحمد الفراهيدي وأقرانه، أعراباً وافدين من الجزيرة العربية و"يأخذون" منهم محفوظات الشعر أو اللغة وغيرها. إلا أنهم ما كانوا، ولا سيما العلماء المتمكنون من علومهم، يسلمون بما كانوا يسمعون، بل كانوا يجرون عليه المناقشة والمقايسة وغيرها من أدوات الفحص النقدي اللازمة في هذه المواضع. وكان مثل هذا الفحص لازماً، وقد تنبه عدد من هؤلاء العلماء إلى أن بعض هؤلاء الأعراب ما كانوا حاملي لغة قديمة بل حاملي لغات كاذبة في أحيان كثيرة.

وهو ما أدفعُ به في وجهة مزيدة، وأريد منها التفكير المزيد في علاقة الشفوي بالكتابي. فما يخفى علينا هو أن ما نحتكم إليه في الشفوي يتعين في الغالب في "هوية" الناقل، في "شخصه" وقبل قوله: أهو شخص أمين؟ أله مصداقية في ما عُرف عنه، في حياته، من أعمال وأفعال؟ أم أنه منافق وصاحب شهادات كاذبة؟ وإذا كانت للثقافة الدينية الإسلامية أسباب ثقة ب"الأحاديث النبوية" وبجامعيها، وبانت لها حاجة في ضرورة "جمع الأحاديث"، فإن نقل الأمر إلى قطاعات أخرى مدعاة إلى الحذر على الأقل.

هذا ما يبلغ في أيامنا هذه ظاهرة مقلقة طالما نبه إليها الراسخون في العلم الديني، وهي جنوح البعض من دون علم مكين إلى إصدار "الفتاوى" من دون أن تتوافر لهم الأسانيد الدينية الصحيحة. وهذا ما يتعين في ظاهرات قابلة للمتابعة والرصد بيسر لو انتقلنا إلى المناقشات والسجالات، ومنها على الفضائيات خصوصاً. وهي ظاهرات تكشف عما أسميه ب"العقل العجائبي"، أي العقل الذي يصدق من دون برهان، من دون وقائع، من دون فحص وتراكم: عقل يصدق بما يرد على ألسنة بعضهم من "توقعات" أكثر مما يطلب المعاينة والمتابعة والمساءلة والمحاسبة بعد وقت (وهي كلها من ظواهر العقل الكتابي). عقل سحري بمعنى ما، له أن يقبل بالإشاعات أكثر ويعاملها على أنها أخبار بدل أن يسلك سبيل الخبر، سبيل التحقيق، وإن اقتضت عمليات هذا وذاك إلى متابعات وتصويبات وتصحيحات وغيرها.

هكذا قد تنطلق تظاهرة بناء لخبر مختلق، وقد يسقط قتيل أو شهداء... وهو ما ييلغ حدوداً عليا في الاعتقاد تسقط أمامها السياسة والثقافة والعلم وغيرها، إذ تشيع مناخات الجهل بدل العلم، والغوغائية بدل الجماهير الراشدة والفطنة، والتوهمات المريضة عن الذات والآخر بدل التقويمات النبيهة والسديدة، التي لها أن تبني اعتقاداتنا وتوجه سلوكاتنا. وفي مثل هذه المناخات يعتاش مروجو العبارات الساحرة، والخطابات الغرائزية، والأوهام السعيدة، وهي التي تعني أبشع أنواع الاستبداد المرضي عنه من ضحاياه قبل مروجيه.

(26-5-2007).