خيانة الكتابة لنفسها

 

استعدت، قبل أيام، قراءة مقدمة وضعتُها لكتاب إحدى الباحثات عن "رهانات المعنى"... استعدته مطبوعاً في الكتاب، الذي صدر حديثاً، فإذا بي أقع على غلطتين في النص الذي لا يتعدى حجمه الثلاث صفحات. هذا ما يحصل لي مراراً وتكراراً، على الرغم من تصحيحي للنص مراراً وتكراراً. وزاد من ضيقي كوني أكتب النص وأصححه بنفسي، فضلاً عن أن الباحثة تعهدت بمراقبة النص بنفسها.

مثل هذه الأخطاء طبيعي، يزيد منه كون الكاتب يقوم، في دور النشر العربية، بدور المصحح في الوقت عينه، فيما يختلف الأمر في دور النشر الغربية، ذلك أن كاتب النص لا يقوى على مراقبة نصه في الغالب إذ يقرأه بعيني عقله. إلا أن الجديد الذي استوقفني في هذه الأخطاء هو ما يتدبره الحاسوب من أغلاط بنفسه. فقد تحققت في أكثر من مرة، عند كتابة أحد النصوص، من ورود: "بدروه" بدل "بدوره"، و"العلمية" بدل "العليمة"، و"صوةر" بدل "صورة"، و"القنر" بدل "القرن" وغيرها الكثير. وهي أغلاط تتفاوت في خطرها، إذ أن بعضها جلي للعين ("صوةر" بدل "صورة")، تستدركه وتصححه بيسر. إلا أن غيرها خبيث، لا تنتبه إليه العين ("بدروه" بدل "بدوره"). بل الأدهى في بعض هذه الأغلاط هو أنها مما لا يتم الانتباه إليها مطلقاً، بل قد يأتي موافقاً للنص تماماً (مثل "العلمية" بدل "العليمة"). وهذا النوع يذكرني بغلطة أصابت تعليقاً لي في منتصف الثمانينيات، وفي عنوانه، إذ كان: "جوائز بالتراضي"، فصدر العنوان في المجلة: "جوائز بالتراخي"، فأتى العنوان الخاطىء أجمل من العنوان الأصلي. ولكن كيف يحدث هذا؟

بعض هذه الأغلاط متوقع، إذ تخطىء الأصابع في نقر الحروف المناسبة، إلا أن بعضها الآخر يتأتى من "خيارات" يقوم بها الحاسوب بنفسه. وهو ما شرحه لي أحد الأصدقاء مما لا أقوى على شرحه. ويفيد أن مثل هذا الأمر يحصل في العربية، لا في الفرنسية ولا في الإنكليزية. ففي العربية، وأمام احتمالات تركيبية عديدة، لا يستدرك الحاسوب تماماً سرعة اليد الكاتبة، فتراه يلجأ إلى احتمالات موجودة في خزينه الكتابي الاحتمالي، أو قد يتعثر في اللحاق فيقترح ألفاظاً غير موجودة.

ما يستوقفني، بعيداً عن التفسيرات التقنية لهذه الظاهرة، هو أن الغلط "يتسلل" إلى الكتابة، ويتدبرها، ويعالجها، وفق حسابات تتعداني وتتعدى مقاصدي فيها. وهو غلط تكويني بمعنى ما، قلما ننتبه إليه. تحدث موريس بلانشو، في أحد كتبه، عن يد "كاتبة" وأخرى "مستدرِكة" و"مصححة" لما فعلته الأولى، وهو ما كان يناسب القلم فيما مضى، في عهد بلانشو؛ وهو ما كان يناسب واقعاً مرحلتين متتابعتين، لا يدين، في الكتابة. هذا ما جعلته عنواناً لإحدى قصائدي: "بكلتا يدي"، حيث أنني تحدثت عن علاقة الشاعر بالقصيدة بوصفها علاقة راقص بشريكته في الرقص: له أن يراقصها بيديه... حتى لا أتحدث عن بُعد آخر يكاد أن يكون شهوانياً في الإحاطة التي بات يطلبها الكاتب مع حاسوبه، ولا سيما المحمول.

إلا أنني أرى شيئاً آخر في ما أتبينه، وهو أن الحاسوب يقوم بإظهارٍ خطي، غرافيكي، لما هو أعمق، ويقع في لب الكتابة، وهو أنها رغبة تتفلت، مثل أي رغبة، من مقاصد صاحبها. فما يظهر من أغلاط يكاد يقترب مما تحدث عنه فرويد في "زلات اللسان": فقد استوقفت رائدَ التحليل النفسي كلماتٌ وعبارات يُقدِم عليها المتكلم من دون قصد، فيعتذر عن قولها، أو يستعيد كلامه فيصححها، فيما هي كلمات وعبارات كان يرغب في قولها، في لاوعيه، ويمتنع عنها، بفعل الرقابة من دون شك، أو الكبت وغيرها. لهذا تحدث فرويد عن زلات لسان... معبرة.

أغلاط الحاسوب ليست معبرة وفق المعنى النفسي عينه، إذ أنها أغلاط ميكانيكية، لا تصدر عن عتمة اللاوعي. إلا أنها، مع ذلك، أغلاط معبرة عن أغلاطٍ غيرها مما يتخلل الكتابة ويتسرب إليها. وهي مما لا نقوى على التنبه إليه، بل يحتاج إلى إنصات شديد لما يعبر في جوق الكلام من أصوات و"ميول" و"أدوار" مختلفة أحياناً للمتكلم الواحد. وهو أن الكاتب – إذ يكتب – متكلم ومتفرج في الوقت عينه وخشبة لما يقال. فكيف إن كانت الكتابة مسرح لنفسها، في الوقت عينه.

فالكتابة، مثل أي رغبة، تتعدانا فيما تشملنا، وهي في ذلك أبلغ شهادة عن إنسانيتنا، إذ أنها "تخوننا" فيما نظن أننا نتحدث إلى غيرنا.

(16-8-2008).