تمسك بيدي في الكتابة
هذا ما أنتبه إليه عندما أقرأ أكثر من مقالة صحفية، تتناولني أنا أو غيري، وهي أن الصحفي (أو الصحفية)، عندما تريد إبداء ملاحظة أو أكثر على ما تقرأ تسرعُ إلى القول: كان له أن...، أو كان في إمكانه أن يقوم بكذا أو بكذا...، ولو قام بكذا أو بكذا لكان النص...
قراءة هذه المقالات تعود بي إلى صفوف المدرسة، إلى المقاعد الأولى، لما كانت المعلمة تدربنا على الإمساك بريشة الحبر في تعلم الخط، بالعربية كما بالفرنسية: كانت تنكب على أصابعنا الراجفة وتريد لنا أن ننسق حركة أصابعنا، في الوقت الذي كانت فيه تعتاد على حركات أكثر تفلتاً وحرية وتشكيلاً. هذا ما كان يضايقني في سنوات الطفولة، حيث أن الخروج الأول من البيت بدا مثل دخول إلى نظام مسلكي. فكيف لي ان أقبله في سنوات لاحقة، ولا سيما حين تخل هذه الكتابات الصحفية بأصول المهنة. فكيف ذلك؟
فمثل هذه الكتابات الصحفية تُخل بطبيعة العلاقة بين المقال الصحفي والنص المطبوع، حيث أن وظيفة الصحفي لا تقوم على النصح والإرشاد والتوجيه، وإنما على فهم ودرس و"تذوق" (كما تحسن العربيةُ القديمة القولَ) ما يصدر من إنتاجات مختلفة. كما تُخل هذه الكتابات، أو تكشف عن علاقة "مكبوتة"، إذا جاز القول، بين الصحفي وبين هوية الكاتب "المستورة" فيه. فما لا ينتبه إليه الصحفي في كتابات كهذه هو أنه لا يقف إزاء النص الجديد وقفة القارئ والناقد، وإنما وقفة الكاتب الشريك أو المنافس، إذ تتكشف في أقواله ما كان له أن يفعله أو يقوم به لو كتب النص بدوره، أي من جديد. وهو "يتمنى" ذلك، أو "يشتهيه"، بمعنى أنه لا يقدم عليه، أو لن يقوى بالضرورة على القيام به (لو سعى إلى ذلك)، وإنما "يتفاعل" مع النص تفاعلاً يجعله ينهض للوقوف فوق الخشبة، أو في الشاشة، متناسياً أنه في الصالة، وفوق مقاعد المتفرجين.
مثل هذه الكتابات "كاشفة" لمثل هذه العلاقات المخبوءة بين الصحفي والكاتب، بين الصحفي وأطيافه الكتابية، بين ممارسة القراءة وممارسة التشهي عبرها. إلا أنها كاشفة أيضاً عن أمور أخرى تقع أبعد من هذا الانفضاح الذاتي للكاتب في شخص الصحفي. مثل هذه الكتابات تكشف جانباً متجذراً، وكدت أقول مترسباً في الثقافة العربية، وهو أن الكاتب القديم كان يقبل على الكتابة خلف خطوات غيره، حيث أنه كان يتبعها ويحتذيها، في نوع من الإقرار المتبادل بأن الكتابة فعل يتعدى هوية الكاتب نفسه، ورغبات ومقاصد الكاتب نفسه، ويصيب مبنى عاماً للثقافة لكل كاتب أن يتقيد به، وأن يضيف إليه.
وكان ذلك كما لو أن أياد أخرى تمسك بقلم الكتابة الذي لك بمجرد أن تقبل عليها: فأنت تكتب في كتاب مفتوح، في صفحات مرقمة، في موضوعات وسجلات مرتبة، هي ما تتناسله وتكمله ثقافة المتأدبين الفصحاء. وهو شكل من أشكال الانصياع والقبول يثقافة جمعية، بـ"نص أعلى" إذا جاز القول، وهو نص ما فوق النصوص، والذي تتعين قيمة الكاتب بمقدار إسهامه فيه.
إلا أن كتابة اليوم اختلفت عن كتابة الأمس، فضلاً عن أن الصحافة – "السيارة"، كما كان يقال- تقوم على مبدأ آخر، وهو التداول، أي الاختلاف والتعدد والتنوع في القول والرأي. وهي تشير بالتالي إلى مواقع مختلفة ومتباينة، وإلى تفكك وتبدل في المشهد الكتابي لم يعد فيه الأطراف المختلفون مشدودين إلى مبدأ واحد وناظم، بل باتت فيه الكتابة محل اختلاف وتمايز وتباين. فكيف لهذا أو لذاك أن ينحو بالكتابة، بالنص، وفق هذه الوجهة أو تلك، على أنها الصحيحة؟ من أين تتأتى صحة السبيل؟ أليست تتأتى من القبول به؟ من القارئ، بل من قارئ وقارئ؟ بل من قارئ مؤجل في بعض أحوال الشعر؟
(19-5-2007).