الكاتب بوصفه سلعة ومعلناً عنها
حدث لي في الأشهر الأخيرة أن عدتُ إلى مجلات ثقافية عربية قديمة، مثل "المقتبس" و"المشرق"، وإلى أعداد قديمة من مجلات مجامع علمية عربية، فوقعتُ على دراسات وبحوث لا تقل قيمة عن دراسات وبحوث راهنة. إلا أن الأهم الذي تبينته، في عودتي هذه، هو اتسام كتابات ذلك الوقت، حتى الضعيفة منها، بعلاقة تفاؤلية مع التاريخ، حيث أن المثقف، مثل محمد كرد علي أو الأب لويس شيخر أو الألوسي وغيرهم، نراه يتعامل بحرص مع موضوعه، وبأناة العامل من أجل أفق بين. كيف كان لنا، قبل نيف ومئة سنة، مثل هذه الوقفة التفاؤلية إزاء الزمن الجاري، وهذا الاستثمار والتوظيف الحريص على حمولات دورة المعاني، وترانا اليوم راجفين، مترددين، أو قلقين، في ردة نكوصية عما كنا عليه؟
الجواب المقلق على هذا السؤال يقع ربما في المجلات نفسها، إذ أن القارئ يتحقق فيها – لو عاد إلى صفحاتها الأولى – من وجود صورة الحاكم الأجنبي أو الملك فؤاد الأول تتقدم غيرها من الكتابات. أكانت تلك الحكومات الأولى تبشر بأفق واعد ما جعل الكتاب يسهرون حريصين على بذل الجهد الضروري لرسم هذا الأفق؟ أكان المثقف يعتاد، ويقبل بالتالي، بهذه السلطات الناشئة، فيتقيد بها، ما يجعله يسدد استهدافات كتاباته حيث ترفع هي شعاراتها حول "التمدن" و"الترقي"؟ أفي مثل هذه التساؤلات (التي تشتمل ضمنياً على أجوبتها) وجب البحث عن أسباب التراجع الراهن للكاتب العربي أمام أفق التاريخ والمعنى؟
لا تتوافر إجابة واحدة عن هذا السؤال، عدا أن الإجابة قد تستسهل "القفز" فوق مراحل التاريخ فتعدم أسباب قيامها المخصوصة. ما يمكن التنبه – وهو ما أريد التوقف عنده من دون غيره – هو أن ما نشكو منه قد يكون حاملاً لتجدد لا نتبينه تماماً. فقد يكون ما نطلبه من الكاتب هو ما لا نقوى على طلبه من الحاكم نفسه، من الحكومة، من ممثلي الشعب؛ وهي صورة قديمة عن دور "تمثيلي" مطلوب أو مرغوب من الكاتب، وهو أن يكون "ضمير الأمة"، كما كان يقال.
هذا المثقف "النهضوي"، الجدي والمطيع في آن، قد امحت صورته ربما، وبرزت مكانها صورة أخرى، هي صورة الكاتب المنفرد بنفسه. وهي صورة جديدة لنا أن ندرسها، وأن نتبين فيها مدى تأثر الكاتب العربي الحديث بتقنيات وفنون الترويج: لاسمه، لكتابه، بما فيها الصورة التي يروجها لنفسه. فالكتاب لا يفيد المعنى وحسب وإنما يذيع صورة إعلانية عن الكاتب نفسه. والتعريف بالكتاب (مثل المقابلة وغيرها) لا يفيد التشديد على مضامينه، وإنما ينشر دعاية لكاتبه. وهو ما ننتبه إليه في سلوكات كتاب عرب عديدين، ممن يعتنون، على سبيل المثال، بإثارة غبار إعلامي حول ما يكتبون، أكثر مما يعتنون بترويج الألإكار التي يشتمل عليها. لهذا بات الكاتب يعتني بصناعة "ماركة تجارية" (كما يقال في لغة الإعلان والتسويق)، وهي اسمه واقعاً، وهو ما تلخصه العبارة الشهيرة: "تكلم عني، وإن بالسوء؛ المهم أن أبقى حاضراً في المشهد".
وما يمكن قوله هو أن الكاتب تخلص من دور المسؤول أو الساهر على مصلحة الأمة التي كلف نفسه بها. ما بات يهتم به الكاتب هو موقفه، وموقعه، في التداول العمومي للمعنى وللكتاب ولصورة الكاتب عن نفسه. وفي هذا دورٌ للكاتب، خيار فردي طبعاً، وقد يكون دلالة عن إمساك الكاتب بما للكتابة أن تكون، على أن يتوصل القارئ يدوره إلى ما له أن يكون. فالقراءة ليست بديلاً عن بيان سياسي غير قابل للتوزيع، بل هي عقد حر ومتعاهد عليه من طرفيه. إذ أن في كلامنا على الكاتب والقارئ والمعنى ننطلق من منظور "جمعي" للثقافة، لا من منظور تعاقدي هو في أساس الثقافة الحديثة، وفي أساس تكفل الإنسان نفسه بمصيره.
(7-12-2006).