بقرات مغسولة للفن
سبق لي أن قرأت أن المخرج المصري الراحل محمد كريم عمد، قبل تصوير إحدى اللقطات في الصعيد المصري، إلى غسل الأبقار قبل تصويرها. كما سبق لي أن قرأت عن أناس تقدموا بشكاوى إلى القضاء المصري يطالبونه فيها بالاقتصاص من هذا الروائي أو ذاك بحجة أنه صور القرية الفلانية على غير ما هي عليه...
كما سبق لي أن عرفت أن المصور الألماني مونخ لم يتأخر في مطالع القرن العشرين عن تصوير الوجه الإنساني بغير ألوانه الطبيعية، في لوحته الشهيرة: "الصرخة". كما سبق لي أن علمت أن زميلاً مصوراً آخر له، فنسنت فان كوخ، لم يتأخر عن رسم حذائه المثقوب بدل أعمال "الطبيعة الصامتة" التي تصور عادة ثماراً فائقة النضرة فوق شراشف مزركشة...
كما سبق أن سمعت، سواء في بيتي أو في صالة عرض، من هذا أو ذاك أسئلة كهذه: "ماذا تعني هذه اللوحة؟ ماذا يريد الفنان أن يقول؟ ألا تشرح لنا...".
يمكنني أن أعدد الأمثلة، أو أن أضعها في سياق فني أو أدبي أو غيره، إلا أنها كلها - على اختلافاتها - تحيل على المشكلة عينها، وهي مشكلة تقبل الفن. هذا ما يمكن أن نستدل عليه في الماضي الأدبي العربي، بدليل أنه ذاع القول الشهير: "أجمل الشعر أكذبه". ويعني هذا أنه كان يسمح للشعر بما لا يسمح به لغيره. فللشاعر الحق في الكذب، الحق في "تفتيق" الصور والمعاني، لا غيره أبداً. وهو ما أُجمله في هذا القول السريع والمختصر: للأدب (كما للفن) أن يقول "الحقيقة"، فيما يسمح للشعر ببعض الافتراق. انه بمعنى ما "أدب الماصدق".
وهو ما نتأكد من وجوده في صنوف الكتابات القديمة المختلفة، حيث أنها تتسلسل فيما بينها طلباً للحقيقة عينها، الأكيدة، والتي تجعل الأديب يمسك بخيط الأدب من سابقه ويستكمله، على أن هذا وذاك "خدام حقيقة"، لا يصيبها أي اعتوار أو شك أو مساءلة. وهو ما يمكن التحقق منه في وجه آخر من إنتاجات هذه الثقافة، وهي أنها تفتقر إلى أدب يشير إلى "المتعة"، مثلما طلبها أبو نواس - في وقفة نادرة - إذ دعا الشاعر إلى "الجلوس" بدل "الوقوف" على الأطلال، في معارضة ساخرة ومباشرة في آن للتقليد الجمالي المكرس. بل تفتقر هذه الثقافة إلى ما يصل الأدب بالنادر والغريب والشاذ والمختلف، حتى أن كتباً مثل "عجائب المخلوقات" للقزويني، أو رحلة ابن بطوطة، بغرائب أخبارها، تبدو استثنائية، بل غريبة في هذا المشهد المنسجم. وهو ما يمكن أن نستدل عليه دلالياً في معنى "الخيال"، الذي ورد في ألفاظ العربية منذ الجاهلية، وكان يشير في معناه إلى ما يشبه معنى "السراب"، أي التوهم بوجود شيء ما، ما يشير إلى أن ما يتراءى للناظر هو وهم حقيقة بالضرورة، وإن لم يبلغ الحقيقة. وبهذا المعنى أيضاً قيل إن "الشعر ديوان العرب"، أي أنه يحتوي على العلم بتاريخ العرب، في أوجهه المختلفة؛ ولم يطلب من هذا القول المأثور أن يفيد أن الشعر يدل على "مُتَع" العرب، أو سلواهم بالمعنيين الفني والجمالي. حتى أن عنوان الكتاب الشهير، "الإمتاع والمؤانسة"، لا يفيد عن مضمونه، أو يختصر بالأحرى الإمتاع بالثقافة العالمة، والمؤانسة بين العلماء. وهو ما قد يدفع سائل إلى القول: أما كانوا يعيشون، أما كانوا يتسلون ويلهون ويتمتعون ويتندرون وغيرها من أفعال الحياة الخفيفة؟ وهو ما لنا أن نجده - إن طلبنا - في كتب مهملة أو شاذة أو مرذولة، مثل أخبار الجواري والمجون وغيرها.
هذه الصورة التي كانت للأدب، وللثقافة عموماً، كانت تستند إلى وظيفة راشدة، تجعله قريباً من الحكمة، من المعرفة العاقلة.
وهو ما يمكن أن نلقاه - لو طلبنا - في صورة الأديب الأوروبي السابقة على العهد "الحديث"، حيث كان الأديب يساوي الكاهن، والكاهن رجل العلم. وهو ما كان يتمثل في ساكني الأديار والصوامع في القرون الوسطى. وما تغيرت هذه الصورة إلا مع ظهور كتاب سرفانتس، وفارسه الكئيب، دون كيخوته، الذي رسم فيه صورة ساخرة، بل نقيضة لصورة الفارس الفتاك والفتان: للأديب أن يكون، كما قال سرفنتس في الصفحات الأولى من كتابه، "شبيه" هذا الفارس المتعثر في مصارعة طواحين الهواء... بل يقول سرفنتس أكثر من هذا، وهو أن دون كيخوته هو "ابنه بالتبني".
هكذا خرج الأدب من قصر الحقيقة والحكمة إلى فضاء التخيل والاشتهاء.
وهو ما لم يبلغه أدبنا تماماً، على الرغم من تأثره بأنواع وأساليب الأدب الأوروبي. بل يمكن القول إن تأثرنا بهذا الأدب قام أو لم يلغ اعتقادات قديمة، راسخة، متوارثة عن الأدب.
وقد زاد من رسوخ هذه الصورة، بل جددَها شيوعُ ثقافة تقوم على "الترشيد" بدورها (على وزن وزارات "الإرشاد" و"التوجيه"، التي قامت في غير بلد عربي مند عهد عبد الناصر)، وباتت تختصر مهمة الأدب في نفعية إيديولوجية واستعمالية صريحة. وهو ما وجد سنداً له في شعارات وتوجيهات ومواقف، تختصرها العبارة الشهيرة: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، والتي عنت إفقاراً شديداً للأدب ولجماليته.
هكذا لم ينجح الأدب (والفن) في أن يكون له تعبيره "اللاهي"، وإن نجح هذا الأدب في بعض الإنتاجات فإنه كان يفتقر دوماً إلى إشاعة مثل هذه المفاهيم في أوساط العامة، المبعدين عن ثقافة النخبة.
فهذا الذي يشكو من التزوير في رواية يريد من الأدب أن لا يكون "صنعة" مثل غيره، في أقل الأحوال: يريده أن يكون فعلاً تلقائياً، أشبه بفيض الخاطر، على أن المتلقي يتلقاه بدوره، بفعل تلقائي مواز له. فيما لا يعرف هذا أو ذاك "أسرار" صنعة الإسكافي في عمله، أو الحداد، أو النجار، أو غيرهم.
لهذا لا يمكن الحديث عن أدب يتعدى نطاق النخبة في بلادنا، بدليل افتقاره إلى الأدب البوليسي، على سبيل المثال، أو أدب الروايات الغرامية الخفيفة، أو أدب الخيال العلمي وغيرها مما تتسع له نطاقات الأدب في بلاد غيرنا...
ولهذا كان محمد كريم يخشى من أن يجد متفرجه الصعيدي فوق الشاشة الكبيرة أبقاراً شبيهة بالتي في الزريبة المجاورة لبيته.
(24-8-2006).