في الهواء الطلق

 

تنبهت إلى ورود متعاظم لهذه العبارة، "في الهواء الطلق"، في عدد من الكتابات، ومنها كتاباتي، وفي سياقات تخص العمل التشكيلي تحديداً، ما يشير إلى قيام فنانين مصورين بنقل عدتهم الفنية إلى أمكنة خارجية، أي غير المحترف، لا لاستلهام موضوعاتهم من الطبيعة وحسب، وإنما أيضاً لتنفيذها مادياً في الهواء الطلق. وهو ما دعاني إلى طرح السؤال التالي: أيعتمد غير التصوير التشكيلي مثل هذه الطريقة الفنية؟

كانت دهشتي عظيمة إذ تحققت من معلومات تلتقي حول أن فنوناً عديدة تستلهم هذه الطريقة، وهو ما لا ننتبه إليه مجتمعاً بل في هيئات متفرقة. فقد تنبهت إلى أن التصوير السينمائي يعتمد على تصوير "خارجي"، وفق هذه التسمية، بدلاً من التصوير في الاستديوهات، وهو ما يعطي الفيلم نفسه قيمة فنية مزيدة (فضلاً عن الكلفة المادية العالية، والتعب المزيد الذي يحتاجه مثل هذا التصوير). وهذا لا يشمل إنتاج العمل الفني وحسب، وإنما يشمل أيضاً العرض الفني كذلك، حيث أن عدداً من الفنون، مثل العروض السينمائية أو الموسيقية أو المسرحية وغيرها، تتوسل بدورها نقل أعمالها وعرضها على الجمهور في الهواء الطلق. وهو ما يشمل في عدد من البلدان عروضاً مسرحية ضخمة تتم في الساحات العريضة لتصوير بل لإحياء مشاهد تاريخية قديمة وغيرها. وإذ تنبهت إلى هذه كلها، تساءلت: وماذا عن الأدب نفسه؟ أيتعين بعضه في الهواء الطلق بدوره؟

طبعاً، وهذا يشمل كتابة الرحلة واليوميات والمذكرات، حيث أنك لا ترى مصوراً منكباً على تصوير مشهد في مواقع بعينه، وإنما ترى أحياناً كتاباً منكبين بدورهم على تدوين ما يعايشون ويشاهدون. ويكفي للتدليل على ذلك الذهاب إلى مقاهي باريس، ولا سيما "الأدبية" التي حملت مثل هذا الاسم منذ قرن على الأقل، للتأكد من ذلك، حيث نلقى أناساً منكبين بجدية بالغة على دفاترهم الصغيرة، أو على حواسيبهم الإلكترونية، يستطلعون فوق أوراقهم فيض الخاطر، أو معاينة العابر، أو محاسسة المكان نفسه. وهو ما يدعوني إلى سؤال أبعد مراماً: ما صلة ما يكتب بما يعاش؟

وهو سؤال يتعدى في نظري الجواب الإخباري، أو الجواب الصناعي: تتأثر الكتابة حكماً بما تعيش، وتنقل بمعنى ما ما تعايشه. إذ أطلب من هذا السؤال الوقوف عند ما خبره أحد المصورين التشكيليين في أحد الأفلام، بعد أن اكتشف في أخريات حياته أنه كان يقفل النوافذ في محترفه لكي يصور، فيعمد في اللقطة الأخيرة من الفيلم إلى فتح النوافذ، وإلى إدارة الحمالة المسندية، التي تقوم عليها لوحته، لكي يصور ابتداء من ذلك اليوم مما تقع عليه عيناه في حديقة بيته.

وهو ما تقوى عليه ورقة الكاتب إذ تحسن إقامة معابر بين الحياة والكتابة، فتكون الورقة شفافة، تنضح بما للحياة أن تكون. وهو امتحان صعب في كتابة اعتادت على سبل ومقاصد هي التي تتحكم بها، أكثر مما يقودها الكاتب نفسه تلبية لما يطلب منها. ولا أريد من ذلك التشديد على أمانة الأدب للنفس، للإنسان، أي أن يكون الأدب تعبيراً صادقاً عن النفس، أو صورة نرجسية صحيحة عن الكاتب نفسه، وإنما أريد التشديد على أمر آخر، وهو أن الكاتب إذ يخرج إلى الهواء الطلق يعرِّض نفسه لهواء التغير، عدا أن ما يحمله من المعايشة هذه حامل بدوره لغيره.

فالخروج إلى الهواء الطلق خروج أيضاً من رتابة النفس، أو من تعظيمها لنفسها، صوب ما يحمله الضوء والحركة واللفتة وغيرها مما يسقط في العابر من دون أن نلحظه، ومما يشكل طعم الحياة الأكيد.

(26-5-2007).