تغيم هنا، تمطر هناك

 

يحلو لي إعداد كتب للمطالعة، قبل عطلة الصيف وقبل ركوب الطائرة، ولا سيما من الكتب التي تتراكم فوق مكتبي، والتي أضعها جانباً لقراءة مديدة بل معمقة. وفي الطائرة أطالع ما في الكتاب، وما في الغيم، في نوع من التناوب والتعايش بين مشهدي المطالعة. أطالع الكلمات، أو الغيوم، فكيف إذا كان لي أن أقرأ في قصيدة عن الغيمة، وفي الغيمة عن الشعر؟

يقول الشاعر اللبناني إلياس أبو لطوف في كتاب أول له، صدر قبل شهور قليلة، وفي قصيدة عنوانها: "غيمة":

"ضحكتْ الغيمة

فلشتْ ضحكتها على الجبال

ثلجاً فوق ثلج

ضحكةً

إلى جانب ضحكة

تطلعتُ إلى الجبال

عرفتُ حبيبتي

أنك غيمتي".

لا يقوى الشاعر اللبناني على النظر إلى الغيمة إلا بوصفها امتداداً للجبال؛ عليه أن يرفع نظره إليها لكي يراها، بوصفها وجه الحبيبة في أحوال، أو وجه الرب في أحوال. وهذا ما تحققت منه، ذات يوم، في رحلة قادتني في طيارة صغيرة بمحركين إلى جنوب المغرب، حيث حلت بنا الطائرة في امتداد صحراوي. فكان أن سألت صديقي المغربي، ما ان حطت بنا الطائرة: "أحصل حريق في المنطقة؟". فأجابني مستغرباً: "عما تتحدث!؟". فأجبته مستغرباً بدوري: "ألا ترى هذه البقع السوداء الهائلة أمامنا، على الأرض!؟". وإذا بصديقي يتوقف عن المشي، ويثبت نظراته في وجهي: "لعلك لم تزر الصحراء سابقاً... إنها الغيوم، يا صديقي".

إنها الغيوم، غير أنني ما نظرت إليها سابقاً فوق منبسطات صحراوية أو غيرها، مثل هذه.

أما الكاتب العُماني سماء عيسى فيرى إلى الغيوم بطريقة مغايرة، هو الآخر في مجموعته الأخيرة: "غيوم"، إذ يقول في مفتتحها:

"وكان قد التفت قبل رحيله

عن الأرض إلى السماء،

فرأى أن سحباً سوداء كثيفة

غطتها،

وعندها ذهب إلى ربوة عالية

ووقف يراقب من هناك الأرض

وهي تندثر وبنيها وهم

يغرقون".

ما يعنيني من هذا الكلام يرسم هذا الموقع الوسيط الذي للغيمة في هذه الأقوال وغيرها، إذ هي أشبه بورقة شفافة بين العالي والمنبسط، بين وشوشة السماء ودبيب الجذور: الغيمة وسيط، بل برزخ يصل ويفصل بين الفضاء الخارجي وانتقالات الإنسان. وهي أقوال تشي بأكثر مما كانت تقوله العربية القديمة، حين كانت تتحدث في الجزيرة العربية عن "الخيال"، والذي كان يعني لها هطول المطر الوشيك.

ذلك أنه أصبح للخيال فضاء جديد، أكثر توسعاً في دلالاته منذ العهد الرومنسي تحديداً، إذ يشير إلى أمطار كثيرة، بعضها بل غالبها يمطر في سماء القصيدة قبل غيرها. فلم يعد الشاعر، اليوم، مثل المتنبي سابقاً يكتفي بالحديث عن "جبال لبنان"، وعن بُعد، وإنما بات ينصرف إلى علاقة حسية بالأرض، حيث يعيش ويتنزه ويأمل بالسكنى. وهو ما نلقاه في أدب أمين الريحاني، أو في شعر محمود درويش الأول، وعند الكثيرين الذين عادوا إلى ما كان عليه الشعر الجاهلي – لو جاز التشبيه -، أي إلى تلك العلاقة التي تطلب تجذراً في المكان. وهو الطلب عينه الذي اشتد في العربية الحديثة، إذ عنى، من جهة، طلب تجذر بالمعنى السياسي والوطني للكلمة، وعنى أيضاً، من جهة ثانية، تكفلَ الكاتب بالأرض وما عليها وما يحيط بها.

تحدثتُ عن الغيمة، وكان في إمكاني الحديث عن الوردة أو عن الصحن وغيرها مما يحيط بنا ويصنعنا، فنغفل عنه حينما نقبل على الكتابة. ويمكن التدليل على ذلك بالوقوف عند ما قاله ابن الرومي – وهو مثال قديم نادر في الكتابة العربية - حين تنبهت عينه اليقظة إلى ما يشغلها فعلاً في مشهدها اليومي، فوصف الأحدب، أو "الزلابية"، أو أنف عمرو، أو العنب الرزاقي وغيرها... أو عند بعض ما قاله ابو نواس في أحياء بغداد وعنها، أو بعض ما عبر عنه المتنبي في "تذمره" خصوصاً.

ذلك أنني لا أتوانى عن السؤال: أنحن كُتاب حقاً عندما نكتب أم نجتر تقاليد كتابية، هي التي تتمرن عبرنا أكثر مما نخضعها لتجربيات جديدة؟ أنحن نخص كتابتنا بأخص ما نعيش ونرى، أم أنها هي التي تتلفظنا أكثر مما نتلفظ بها؟ فنحن كُتاب... أحياناً، في بعض كتابتنا، فيما لا تنصرف عيننا الكتابية إلى ما يدهشها ويصدمها إلا في النادر، بل تنصرف غالباً إلى رؤية الأوراق الأخرى، أوراق زملاء الكتابة، القدامى خصوصاً، فنختلف معهم – إن اختلفنا - فيما نقلدهم، ونتخاصم معهم – إن تخاصمنا - فيما نقتفي خطاهم.

(28-4-2007).