معارض للكتاب أم للقراءة؟


قرأت في كتاب لأمبرتكو إيكو، "حدود التأويل"، ما يفيد عن أن أحد الأسياد كتب رسالة وكلَّف خادمه بها، لينقلها إلى صديق يقع على مسافة أيام من قصره، فكان أن انتقل الخادم على حصانه، واستراح في طريقه، فسلبه أحد قطاع الطرق جعبته، بما فيها الرسالة العتيدة؛ تابع السارق طريقه فوق درب أخرى، فكان أن وقعت الرسالة منه إثر خلاف نشب بينه وبين أحد الجنود، فعثر عليها مسافر آخر كان يتجه فوق درب أخرى وصوب مقصد آخر...

هذا ما قرأت ذات يوم، إلا أنني استعدت الحكاية نفسها أكثر من مرة، وفي أكثر من صيغة سردية، متمنعاً عن العودة إلى كتاب إيكو نفسه، بما أنني طلبت مما أروي أن يكون له مسار مثل الذي أصاب الرسالة في حكاية إيكو. بل طلبت أكثر من ذلك، وهو الحديث عن الكتاب بوصفه رسالة متنقلة، لا يلبث أن يختفي كاتبها الأول، ويتبناها تباعاً قراء مختلفون على أنهم كتابها.

ومثل هذا التقريب بين الحكاية والرسالة والكتاب يمكن أن أقع عليه في أحد أسواق البصرة، مع الجاحظ، أو بعد وقت مع أبي حيان التوحيدي، حيث أن هذا مثل ذاك عرفا عمليات تملك الكلام من خلال عمليات النسخ. فقد كان الوراقان الشهيران يكتبان بينما ينسخان المخطوطات، بحيث لا تصح دوماً عبارة التوحيدي الشهيرة عن الوراقة وهي أنها "حرفة الشؤم"، إذ جلبت له، من دون شك، هذا الزاد الهائل الذي ضمَّنه كتبه المختلفة، ولا سيما كتاب "الإمتاع والمؤانسة". وهو ما يمكن أن يقال في الجاحظ قبله...

هذا الاستمداد، هذا التنافذ بين النسخ والكتابة، بين التوحيدي والجاحظ وإيكو، يختفي بل يتبدد في حاضر الكتاب العربي، حيث أنه بات مركوناً في عتمته، في كساده، في أحوال عديدة، وهو لا يجد قارئاً له، على الرغم من وفرة معارض الكتاب وتتابعها بين مدينة عربية وأخرى. ومن يرى إلى خريطة المعارض هذه يتوهم بأن الكتاب العربي في أفضل حال، بينما هو بضاعة كاسدة في أحوال عديدة.

ويجتهد المفسرون والمحللون في وصف هذه الحال، ويتبارون في تعليل أسبابها، لاجئين في الغالب إلى تفاسير رائجة وهينة وميسرة. وهو ما ينهلونه في الغالب من تفسيرات السياسة أو الإيديولوجيا في أحسن الأحوال: يتراجع الكتاب بسبب تراجع الحداثة، وبسبب تهافت الإيديولوجيات "المستقبلية" وغيرها مما يدور في الفلك عينه، بعيداً عن القارىء.

فسؤال الكتاب عن حاله هو سؤال القارىء عن حاجاته إلى الكتاب. وهو سؤال موجه في المقام الأول إلى طالب الثانوية، وطالب الجامعة، فضلاً عن "المثقف". وهو سؤال موجه أيضاً إلى عادات اجتماعية لها أن تنزل الكتاب في سياقات استعمالها وحاجاتها. وهو ما يمكن أن ندرجه في جملة من الأسئلة المتتابعة: ما الحاجة إلى الكتاب في الثانوية والجامعة؟ أهو ما يتطلبه الدرس، وما يتعدى شروط الدرس نفسها؟ وماذا عن الدرس وعن تمكينه الطالب من أن "يتفتح" بالمعنى الثقافي؟ وماذا عن عادات رب العائلة مع أطفاله في هذا العيد أو ذاك؟ أيشكل الكتاب جزءاً من عاداته الاجتماعية؟ وهذا ما يصح في أكثر من مناسبة اجتماعية: هل يشكل الكتاب "هدية" لائقة؟

فمن يتابع وقائع الحياة اليومية في هذه المدينة الغربية أو تلك يتحقق من أن الكتاب ماثل، بل حاضر بقوة، في المشهد المديني اليومي: تلقاه في الباص والمترو والقطار والطائرة وفضاءات الانتظار والمقهى والمطعم والحديقة؛ وتلقاه في رفوف المكتبات البيتية، وهي أكثر من واحدة في البيت الواحد، بل قد يكون لكل عضو في العائلة مكتبته؛ كما تلقاه في وسط الصالون في مكان ظاهر للعيان، بحيث يغري في أي محادثة، أو تعارف بين المقيمين والزائرين...

فالكتاب، على ما نتحقق في أحوال عربية عديدة، ضعيف لأنه ضعيف الحضور والاحتياج الاجتماعيين كما الثقافيين, قبل أن نتحدث عن أسباب أخرى تقع في سياسات النشر أو الدعم أو القدرة الشرائية. وهي أزمة مرشحة للتفاقم طالما أن عهد التواصل الإلكتروني يخفف من الحاجة إلى الكتاب في مجتمعات ضعيفة دراسياً وثقافياً وكتابياً بالتالي. بينما نتحقق من ظاهرة معكوسة في البلدان الغربية، حيث ان الإقبال على الحاسوب لا يبطل عادات القراءة، وإنما يواكبها ويعززها أحياناً.

لهذا أرى بأننا أكثر ما نحتاج إلى "معارض للقراءة"، لتنمية أسبابها المختلفة، أكثر من معارض للكتاب، التي تتحول أكثر فأكثر إلى مكتبات مدرسية أو للتثقيف الديني أو للطبخ.

(18-10-2008).