مطالعة باريسية

 

 

وقفة في باريس بين رحلتين: هذا يكفيني.

يكفيني لأنها وقفة غير محسوبة، وإن اقتصرت على يوم ونصف يوم. فالعودة، إلى المدينة التي قضيت فيها ثمانية عشر عاماً، باتت مثيرة، إذ أشتاق إلى النزول فيها كسائح، بعد أن تعبت من الإقامة فيها مهاجراً قسرياً من الحروب في لبنان. ما كنت أعرف عند الرحيل منها أنني سأشتاق إليها إلى هذا الحد، وأنني سأتدبر ألف معالجة ومعالجة لكي تحط بي الطائرة فيها بين بيروت وفرنكفورت.

تكفيني الوقفة، إذن، إذ أن لي فيها مدينة خاصة من أمكنة وشوارع ومحلات وصداقات ومعارف، ومن جغرافيا خيالية خصوصاً.

تكفيني لأنني تنزهت في دهاليز "المترو" فيها مثل قارىء قديم، متنسك في دير عريق، يقبل على قراءة كتاب نفيس مثل لقيا نادرة. تنزهت مقلباً صفحات الإعلانات مثل كتاب من هواء، من أهواء. كتاب للتربية الفنية والجمالية، تتثقف فيه العين بمجرد أن ترى، وأن تتصفح وتتمعن في ما يوفره لها الخيال من عروض. كتاب من العروض المتنوعة التي تفيد عن مسرحية ومعرض وكتاب، فضلاً عن كائنات ساحرة من لون وبياض وإثارة تتبختر أمامك كما لو أنها حبيبة وصلت إلى موعدها معك قبلك.

تكفيني إذ أعرف أن لمارلون برندو، الممثل الذائع الصيت، رواية غير معروفة، تظهر بعد سنوات على وفاته، وعنوانها: "نمور بحر الصين" (عن دار "دونويل"). وأن الشاعر رامبو لا يزال ينظر إلى العابرين في الشارع، أو في رواق الأدب، أو في دهاليز الكتابة، من علياء شبابه الغض دائماً، حيث أن الصورة - إياها التي وضعتها على غلاف كتابي عنه – تعلو الإعلان عن "إشراقات"، شعره الممسرح في باريس: لا تزال صورته عالية، فيها إباء الشعر ورفعته وفيها تعنت المراهق أيضاً، فلا تبدو عليها التجاعيد أبداً؛ بل تراه خرج للتو أو احتمى من غضب البوليس الذي كان يلاحق قرب "السوربون" أحفاد أحفاده ممن يخافون من مستقبل غامض لا توفره لهم الحكومة الفرنسية الحالية في عقود العمل التي تقترحها على خريجي الجامعات بعد تخرجهم: لا، أيها العزيز "الملعون، هم أكثر تعقلاً مما تتصور، وأكثر حذراً من النزول إلى معترك الحياة المبهمة مما كنت، حين حملت حقيبة مثقوبة ومضيت إلى مصير مبهم في فيافي عدن وإفريقيا.

تكفيني الوقفة لكي أتردد في الذهاب إلى "صالون" الكتاب السنوي، ولكي أتعرف على الإصدارات الجديدة، ولا سيما في هذه السنة التي حلت فيها "الآداب الفرنكوفونية" ضيف شرف على الصالون. ترددت إذا كان لي أن أتجول بين مئات الآلاف من الكتب والمجلات، لكي أتوصل إلى العثور على الكتاب المترجم من شعري (في دار "لارماتان")، ولكي أتبين وجه القارىء الذي سيقبل على هذا الكتاب.

مثل هذا التجول يكفيني، وإن بدا نوعاً من تعويض عما لا أجده في هذه المدينة العربية أو تلك. يكفيني، وإن سمعت عند الخروج من "صالون الكتاب" صبية تقول لرفيقتها: "لم يرق لي هذا الصالون. لم أجد فيه غير الكتب".

وقفة في باريس بين رحلتين: هذا لا يكفيني حكماً. إذ اكتفيت بالعناوين من دون الكتب، برؤية أسماء المؤلفين والمخرجين والممثلين من دون كائناتهم التي من ورق ولون وشكل وهيئة. لا يكفيني، إذ وجدتني مثل من يكتفي برؤية المدينة من زجاج نافذة الطائرة إذ تقترب منها. هذا خبرته عند بعض الكتاب العرب ممن عاشوا في باريس لسنوات وسنوات، والذين بقوا على رصيف المحطة، وفي ممرات الانتظار.

هذا كله، وغيره أيضاً، عبرته عبوراً، وإن تمهلت في المشي أحياناً. تأكدت فيه من أن مقهاي المفضل أقفل أبوابه (خشية من التظاهرات الطالبية، القريبة منه، من دون شك). وضحكت إذ سمعت طفلاً يقول لزميله الممسك بيده في طابور زيارة مدرسية منظمة: "انتبه، انتبه. ها هو برج إيفل. ألا تراه؟ كم هو جميل!".

عبرت باريس عبوراً وجدت فيه شيئاً من الارتباك ما عرفته فيها في سابق زياراتي: أخطأت مرتين في سلوك الوجهة الصحيحة للخط المتجه إليه في "المترو". وجدتني أعود على خطوي من دون غضب، مثلما كان يحدث لي في السابق حيث كنت قد تمرست بالتجوال في الخطوط الداخلية لجغرافيا الأنفاق. ارتبكت لأنني كنت ساهماً، أعيش بين مكانين، بل أكثر: تحققت يومها من أنني هربت إلى باريس من بيروت في انتظار أن أعود إليها من جديد. وها أنا عدت إليها مثلما طلبت ولكن من دون أن أجدها.

بيروت ليست في بيروت. مؤجلة أو معلقة في أحسن الأحوال. وكذلك باريس ولكن لأسباب أخرى. باتت هناك غربة أو ألفة مع مكان، مع كتاب وفنانين، عرب أو غير عرب، تبعاً لعوامل ومححدات أجدها في عمل هذا أو ذاك. بدليل أنني وقفت في الصف، تحت المطر، للدخول إلى معرض بيار بونار في "متحف الفن الحديث" (التابع لبلدية باريس) قبل ساعتين وحسب من موعد إقلاع طائرتي. ولهذا حديث آخر، في انتظار نهاية الرحلة.

(26-5-2007).