"الأفكار لهم، والألفاظ لنا"
لا يزال القارئ أو الكاتب أو المثقف العربي يقرأ أو يستمع إلى خطابات وتصريحات تشدد على أن علاقتنا بالحداثة الغربية تشبه علاقة الزبون إذ يدخل إلى المطعم: يراجع قائمة الطعام ويختار ما يشاء من الأطباق. بل يمكن تعيين هذه الصورة في شكل أقوى، إذ يشدد هؤلاء على أننا قادرون، بل طالبون للفصل بين ما تقوله هذه الحداثة وما يمكن أن نستله منها. وهو ما يتعين في دعاوى عديدة تميز بين الشكل والمضمون، بين الفكر والتقنية، وغيرها من الثنائيات التي اخترعناها، وتسترنا وراءها، في الغالب، للتملص من موجبات الحداثة ومستحقاتها، أو لتفريغها من مضامينها التحويلية.
ويكفي للتدليل على ما أقول أن ننتبه إلى استعمال الآلات التكنولوجية الحديثة في بلادنا، حيث أن آلة الفيديو تتحول في جامعات إلى وسيلة للتعليم عن بعد ظاهرياً فيما تعمل واقعياً على الفصل بين الجنسين. وهذا ما يخضع له التحاور عبر الحاسوب، حيث يتحول في بعض البلاد، أو لا يحصل من دون رقابة الأهل... وهذان مثالان بسيطان، ويمكن ذكر العديد غيرهما في أكثر من قطاع ووسط، وفي أكثر من بلد عربي، حيث نتحقق من عدم قبول القيمين على سلوكياتنا وقيمنا وطرق عيشنا وعملنا وتفكيرنا على دخولنا اللازم في عهد الحداثة. فما قبلته مجتمعات عديدة قبلنا، وهي لا تقل أو تزيد مكانة عن مجتمعاتنا، ولا تقل تمسكاً بتراثها منا، كما اليابان على سبيل المثال، لا نزال نتردد أمام بواباته، منذ حملة بونابرت على الأقل. وما لم يقو السلاطين العثمانيون، بأجهزة دبلوماسييم وعلمائهم ونخبهم، على ملاحظته من تغيرات دينامية في بلدان أوروبية مختلفة، منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، لم نلحظه نحن بدورنا، بل عملنا في أحوال كثيرة على التبرم منه، أو التخلص منه، أو تحويره بما يخفف من طاقته التحويلية.
هذا ما خبرته بنفسي، في نطاق عملي وكتابتي. فأنا من دون الكم الهائل من المعارف التي وثقها لي عدد من الدارسين الأوروبيين والأميركيين، ومن دون نهضة العلوم والمناهج التي جددوها وأصلحوها، لا أقوى - واقعياً على الأقل - على مباشرة البحث والتأليف. وهذا يعين حدوث تداخلات والتباسات بين الدال والمدلول لا يجوز قصرها على علاقة قالبية واصطناعية واقعاً، وهو ما أمثله في هذا القول العامي: «الألفاظ لنا والأفكار لهم».
أسعى، إذن، في هذا المسار من دون عقدة ذنب، ولا تأفف، طالباً وحسب الأمانة لموضوعي. وهو تعبير أريد منه، لا الحديث عن شروط قومية أو أخلاقية للبحث، بل عن مقتضيات أجدها في ضرورات البحث نفسه. وهو ما توفره أدبيات الحداثة الغربية ومقارباتها، إذ لم أجد – في غير ما كتبه ابن خلدون في نطاق الاجتماع والحضارة – ما يساعد أي باحث عربي على البحث، إن أدار ظهره لهذه الأدبيات والمقاربات. فهل نبقى نجتر قول السالفين، والجمع الإخباري البليد، من دون تمكين العقل من مسائله؟ بل يمكن توجيه السؤال في صورة أقوى: ألا يحسن بنا – إن لم نتمكن أو لم نصرف الوقت والتحليل لفهم كيف أصبحت أوروبا قادرة ونافذة بفضل حداثتها الفكرية والتكنولوجية – أن نتدبر أمرنا بما ثبتت صلاحيته، بدل أن نغطي وجوهنا ظانين بأن الشمس لم تشرق، وبأن لا أحد يرانا؟
(20-1-2007).