ملامسات طنجة الحسية

 

أعود إلى طنجة بعد غياب، بعد سنوات عديدة. أعود هذه المرة عن طريق الدار البيضاء، بعد أن حللت في طنجة بشكل مباشر، في المرة الأولى، عبر باريس. ذلك أن العاصمة الفرنسية أقرب إلى المدينة المغربية من العاصمة اللبنانية. ومن ينظر إلى الخريطة يتحقق من أكثر من ذلك، وهو أن مدن الشاطىء المغربي تقع غرباً أكثر من مدن عديدة في البرتغال، وفي إسبانيا خصوصاً، ويصح فيها قول المسلمين القدامى إنها: المغرب الأقصى.

أعود إليها، ألا أنني كنت أكتشفها واقعاً. زرتها في المرة الأولى بصحبة محمد شكري وأدونيس، وهذه المرة بصحبة فاروق وحسونة وعبد العزيز. وبين الزيارتين تغيرت المدينة مثلما تغيرتُ من دون شك.

هذا ما يسهله الهواء فيها، سواء أكنتَ في "باب البحر" أم في أزقتها الداخلية. ترى نفسك، بخلاف ما قاله المتنبي عن نفسه، "توجهك الرياح" على كيفها، على مزاجها، فتبدو محمولاً أكثر منك مصمماً في وجهة بعينها. تمشي على غير هدى، وتلتف عليك الشوارع، بل تغمرك الروائح مثل دليل ذوقي: هنا رائحة الشواء، وهنا رائحة البهارات، كما لو أنك تتشمم المدينة أكثر من كونك ترودها.

بهذه الملامسات الحسية تستقبلك طنجة. فتنسى أنك مدعو إلى مؤتمر عن "طريقة" صوفية: تغيب عنك الكلمات فيما تدعوك الموسيقى، من تطوان أو من قونية، إلى رقص من دون رقص، وإلى التحام هو أقرب إلى لقاء العصفور بغصنه، والثمرة ببرعمها.

إذ مشيت فيها، تيقنت من أنني كنت أسافر في السابق من دون أن أسافر. كنت أنتقل واقعاً، من دون أن يعرضني الهواء لامتحانات، لتجارب، هي أقصى ما يستطيعه الشاعر في الكلمات، وهو أن يُقبل على نصه مثل مكتشف، وأن يزوره مثل قارىء. فلقد درجت فوق حجارتها النازلة صوب الميناء كما في كتاب مفتوح، على أن بعض علاماتها وحروفها كان يذكرني بكتب محمد شكري، وبما اشتملت عليه من خريطة موقعية وجوانية للمدينة الواقعة بين بحر ومحيط: عنوان مطارها بات يحمل اسم ابنها البعيد، ابن بطوطة، فيما لا يزال محمد شكري يفتقر إلى ما يثبته في معالمها...

لا يسع طنجة أن تكون غير ما يمليه عليها موقعها. تستقبل مثلما تودع، تتقدم مثلما تلتف على عناصرها: يقرر الطاهر بنجلون التوطن فيها من جديد، عائداً من باريس ولكن بصحبة صيت ذائع وكتب كثيرة، فيما ينبهني عبد العزيز، عند الوصول إلى الميناء، إلى أربعة شبان، مراهقين، جالسين على درج، يتحينون فرصة التسلل إلى شاحنة، والاختباء فيها، بلوغاً إلى أوروبا، الجارة والبعيدة في آن.

إلا أن طنجة، اليوم، هي غير طنجة الأمس القريب. باتت أقرب إلى عناية الملك محمد السادس من أبيه، فضلاً عن عناية مؤسسات استثمارية أوروبية عديدة، ولا سيما إسبانية، بها. حتى أن الفنان محمد المليحي لا يتوانى عن تنظيم معرض فيها، للسنة الثانية على التوالي، فيما لا تشير بطاقة تعريف الكاتب والمحامي بهاء الدين الطود إلى "موسم أصيلة" (الذي كان فاعلاً فيه) بل إلى كونه رئيس فرع اتحاد كتاب المغرب في طنجة...

وفي هذا بعض من سيرة المغرب الداخلية قبل الخارجية، الذي ينتقل صيفاً إلى الشمال، فترى شوارع طنجة عامرة بستة أضعاف ما هي عليه في جاري الأيام، على ما قال لي مدير أحد الفنادق. وهو ما تراه بيناً في عدم قدرة الشوارع على الاستيعاب، ولا سيما في ساعات الذروة. أو في حركة الأرجل والقامات حيث أنها تبدو أقرب إلى تظاهرة منها إلى نزهة لاهية...

هذا المغرب الذي يخفي عدد سكانه المتعاظم، خشية "تأنيب" مؤسسات دولية عاملة على الحد من النمو السكاني المتفاقم، على ما قال لي عالمُ اجتماع. وما يميز هذه السيرة بصورة أقوى هو الحركة الداخلية بين المدن المغربية، التي ترسمها حركة البلاط، من جهة، وحركة الاستثمارات، من جهة ثانية. هذا ما يتضح في دور مراكش خصوصاً، وفي دور طنجة كذلك وإن في صورة أقل، بعد طول تركز في الدار البيضاء. وهو ما تراه بيناً في وفرة الفنادق الفخمة، التي تعول على سياحة الأغنياء أكثر من سياحة فقراء أوروبا ومتوسطي دخلها، وما يتبعها من مستلزمات الإقامة السعيدة... حتى أنني تنبهت إلى قيام فنادق في مناطق معتمة ووسخة بطنجة كان يخشى الأوروبي الاقتراب منها في السابق.

هذا المغرب يظهر – وإن تبدو عليه قسمات الفقر – أكثر حياة وحركة ووعداً من بلدان عديدة مجاورة وبعيدة عنه، تتوافر فيها معدلات نمو عالية.

هذا المغرب، لا أتوانى عن المجيء إليه من دون أن أغادره، وأفترق عنه من دون أن أغيب عنه. إذ هو يقع بين بحر ومحيط، بين إمساك وتفلت، بين قعود ورحيل، مثل النوارس التي تتمايل في سماء طنجة، مثل خطها البين والخفيف، ترسم ما تمحوه، وتستعيد سبيلاً سبق لها أن نسته في غرزات الهواء.

(2-8-2008).