بين موسكو وسان بطرسبرغ من دون لغة
خرجتُ من بيروت من دون قلم، وعند إقدامي على شراء واحد في "مطار رفيق الحريري الدولي"، امتنعتْ البائعة عن تسلم الورقة المالية، واستدركتْ قائلة: "لماذا تصر على شراء قلم، وأنت تحمل حاسوبك المحمول معك؟!".
السؤال سليم. لعل هذا من باب الاحتياط، وهو ما يحتاجه الأمر إذ أُقْدم على زيارة روسيا للمرة الأولى.
---
حتى الآن لم أنجح في معرفة، أو في تقدير ما كانت الروسية الجالسة، إلى جانب طاولتي، مع عسكري روسي لا يتوانى عن النظر وعن إعادة النظر في الصور فوق هاتفه المحمول، أن تقوله لي. ومما زاد من تساؤلي هو أنها أصرت بعد وقوفي، ودفعي الحساب، وتوجهي إلى الباب، على إرسال صبيتين ورائي للعودة بي، في المطعم-المقهى الذي يقع قبالة فندقي.
عدت إلى الخلف من دون أن أفهم ما قالته إحدى الصبيتين، بل سارعت إلى التحقق من وجود حقيبتي الجلدية فوق كتفي، في مكانها مثل ساعد ثالث، ومن جواز سفري في جيب سترتي الداخلي. وما أن بلغتُ طاولتها حتى خرجتْ من عتمتها، وبادرتني بجملة لم أفقه منها شيئاً، لا لجهلي بلغتها وحسب، وإنما لأنني انبهرت بجمال عينيها العائمتين في موج أخضر. وقفتُ صامتاً، فظنتْ أنني كنت أستفهم، فيما كنت أطلب التأكد، بل التمعن في جسدها الطالع من سواده مثل إعلان فاضح عن بقيته الغارقة في كرسي الظلمة.
عدت إدراجي إلى باب الخروج، إلا أنني أبقيتُ خلفي شيئاً يخصني – أياً كان –، ويتصل بي، مما استثاره وجودي وراء تلك الطاولة المربعة...
كان في ودي أن أقول إنني بقيت في مقعدي لو أنني رأيتها حقاً، هي الروسية التي لم أحسن فهم أو توقع "نبرة" جملتها على الأقل، عدا أن العسكري بقي جالساً، مديراً ظهره، مثل كومة مهملة، لامبالية، مثل بضاعة مهربة.
سأتوقف، هنا، لن أذهب أبعد، على الرغم من أن "روى" تتعالق وتتبادل العلاقات مع "رأى" بالضرورة، إلا أن هذا لا يكفي بدليل أنني سميتها "الروسية"، وسميته "الروسي"، وسميت اللغة "الروسية"، من دون أن أفهم شيئاً. حتى الآن، حتى صبيحة اليوم التالي، لا أزال أتبين عينيها؛ أراهما مثل قطيع أحصنةٍ لا يزال يعدو، وعلى رؤوس راكبيها شهبٌ نارية ممتدة، موصولة بأثر من السرعة التي تجمعها.
كان عليَّ أن أقرأ بعيني: هذا ما دعوتُ إليه وقلته غير مرة، من دون أن أجرِّب صعوبة هذا سابقاً. أرى الشجرة، والمطر، والسيارة، وإشارة السير، ومظلات العابرين، واختلاف ما يلبسون عما ألبس، وأتوقع ما تقوله لي عاملة المقهى (إذ كنت أكتب هذا)، بدليل أنني أجيب بالشكر، فتعود النادلة إلى حيث كانت، في وسط المقهى حيث تراقب كل شيء، إلا أن ما أفهمه يبقى غائماً، بل ممطراً مثل يومي الأول في موسكو.
---
لم تكن الكاميرا في حوزتي لكي أقوى على إدامة النظر لاحقاً في ما وقعتْ عيناي عليه أمام مبنى عريق. ما كان في مقدوري هو هذه الأوراق الصغيرة وقلمي البيروتي: كانت العروس بفستانها الأبيض تقف مع أربعة أو خمسة رجال بكامل زيهم الاحتفالي... كانت تضع سيجارة في فمها مثل سائق شاحنة يلهو مع سائقين آخرين في ردهة الاستراحة في محطة وقود على طريق المرور السريع. كانت تنتظر، بل تلوي ساقها الأيسر، وتستند بمرفقها إلى كتف أحد الرجال الواقفين. كانت تتبادل النكات والأحاديث في انتظار وصول العريس ومواكبيه من دون شك.
لم يكن في مقدوري تأملها أكثر، لأنني كنت أقف في الصف الداخل لزيارة المواقع الأثرية في هذا المبنى العريق. إلا أنني ما كنت أعرف أحداً ممن يسبقني ويتبعني في هذا الصف الطويل لكي أقول له ما أكتبه: نزلتْ العروس من على مرتبتها، وما عاد في إمكاني، بعد اليوم، أن أنظر إليها كما في السابق. سقطتْ عروسي من ألبوم العيد.
---
أقرأ في "المأدبة" لأفلاطون: "الطريق الذي يؤدي إلى المدينة له مسار كما لو أنه رُسم خصوصاً بما يسمح بالكلام وبالاستماع أثناء المشي" (ص 34 من الطبعة الفرنسية).
موسكو تتباطأ في فراشها، تتثاقل بعد يوم ماطر لم ينقطع سيله القوي أينما كان، حتى أنه كان يبلغني في غرفتي، كما في إحدى قاعات "معهد الدراسات الاستشراقية" حيث عملتْ ليوم كامل.
لا أقوى على قراءة اسم الشارع، ولا يفيد التخمين، بدليل أن الكلمة التي حفظتْها انتهيتُ إلى معرفة أنها تعني: "ستوب" ("توقفْ").
مطالعة ما يجري، ما يَعبر أمام مرمى النظر: خطفاً، على عجل، حدساً، تخميناً، ظناً، هجساً، خشية أو توجساً، متعةً في استحواذ الصور، من دون شمِّها أو مسِّها، كما في كتاب مطالعة.
أما التي تبادرني ابتسامتُها في الشارع، تحت مظلتها، فهي لا تبتسم لي، ولا تعاكسني، وإنما تَظهر عليها ابتسامتُها الداخلية على ما أضحكَها، على ما أسرَّها، على ما بلغَها من جهاز الاستماع اللاصق بأذنيها. وهي أيضاً حالُ من تحادث مخاطِبَها عبر شريط اتصال تلفونها المحمول.
---
لا يكفي أن أتعرف على وجه الممثل براد بيت فوق غلاف إحدى المجلات، وإن كان عنوانها يفيد بالإنكليزية: "أهلاً". فهذا لا يكفي لكي تخف وحشة المكان، ولا سيما في النفق النازل إلى محطة المترو. أما الوالد الذي يُمسك بالعربة، والأم بسمكة مطاطية، والطفل بدُبِّه الأبيض الصوفي، فلا يمكنهم أن يقوموا بما وَطَّنوا النفس على عملانه في السادسة مساء: لا الوالد يقوى على دفع عربة الطفل، ولا الوالدة على الضغط على السمكة لإلهائه، ولا الطفل على هز دبه... لن يقووا على ذلك، لا بعد الدخول إلى المترو، ولا عند طلبِ الخروج منه، فالفضاء منقفل بما لا يسع أي حركة لاهية، أو مجانية، أو هوائية: الفضاء لا يسع لهذه في هذه الساعة المدلهمة.
ألجأ إلى التعبيرات، بالصوت والحركة، مثلما يلجأ إليها السائق، فيرفع صوته استنكاراً عن ضيقه في زحام السيارات. وعلى شاشة التفزيون أستمع إلى نتف من جمل فرنسية وراء جمل روسية، للممثلَين الفرنسيين ميشيل مرسييه وروبرت حسين في سلسلة أفلام "أنجيليك" التي ألهبتني في مطالع المراهقة في سينمات بيروت. أعبر المدينة يقظاً، وما ظننتُه: "أنتيكا" (أي لبيع الآثار أو التحف القديمة) تحققتُ من أنه: "أتيكا" (أي "الصيدلية").
وما نجحتُ في أكله، بعد مطالعته، هو أطباق الأكل الياباني المصورة، من دون أن تميز النادلة بين "الساشيمي" و"السوكي ياكي"، بينما أتعرف على هويات الشبان الخارجين من أحد المباني، في دفعات متلاحقة، إذ يُمسكون بأكياس قماشية أو ورقية سميكة: خرجوا – على ما يظهر لي – من قسم الهندسة المعمارية.
وأتحقق من أنه ليست للعظمة والأبهة والمهابة سوى مفردات قليلة أقرأها في ارتفاع البوابات، في المباني كما في "الكرملين". ألقاها في "أكبر" جرس، و"أكبر" مدفع، و"أكبر"... وهو ما أراه في "كِبَر" أحجام الحديد المطروق، وارتفاع النافذة والحائط، أو في "إشغال" مساحات التلوين بألوان "مزيدة".
إلا أنني، إذ "أقرأ" ما يرد في تصاميم القصور والكنائس والدور أتحقق من جانبه "التخطيطي" الظاهر للعيان، ما يدل على عمل المهندسين الجلي. فالتأثير الإيطالي ظاهرٌ، ما يجد مرجعية علاماته في مدينتي البندقية وفلورنسة خصوصاً. وهو ما يمكن أن أنتبه إليه، ليس في تصميم القاعات والغرف، وشكل الواجهات وحسب، وإنما أتبينه في أن للواجهات الخارجية لوناً، بين موسكو وسان بطرسبرغ. فواجهة المبنى أو القصر ملونة مثل الحيطان الداخلية، بخلاف ما هو عليه الأمر في أنماط العمارة الأخرى. ما كنت أحتاج لقراءة ما يَرِد في "المأدبة" من أن العين هي "أكثر" الحواس لطافة وتبيناً للعالم الخارجي، فأنا ملزم حكماً بمقتضى هذه التجربة.
أقرأ واجهة المبنى، والأيقونة، وأنواع اللوحات كلها، بين خشبية وقماشية وغيرها. كما أقرأ النصب والمنحوتة، وهي عديدة من متبقيات العهد الستاليني، والسوفياتي، السابق: أزالَ العهد الجديد في روسيا بعضها، وأبقى على بعضها الآخر، حتى أنني وقعت على نصب للينين في سان بطرسبرغ، ولماركس وبلوخين في موسكو، فضلاً عن أنني وجدت المنجل والمطرقة مثبتين في ميدالية حديدية في مدخل أحد المباني "الرسمية" في موسكو.
أما ما تغير فهو اسم بعض الشوارع، مثل تسلم ألكسندر سولجنتسين اسم شارع لماركس، أو "تحويل" بعض دور "كبار" النظام عن غاياتها: في الطريق إلى لقاء البروفسور ألكسندر كُودِلِين، مدير "معهد الأدب العالمي"، أقع على عدد من الدور الجميلة، التي تحولت من شاغليها السابقين إلى دور قنصلية: بات بيت بيريا، وزير الداخلية "المرعب" (حسب قول الروس) في عهد ستالين، إلى سفارة لتونس.
---
يستوقفني مكسيم غوركي بقامة عالية، حتى أن ظهره يبدو بأجنحة مستعدة للتحليق. وهو أجمل بأي حال من تمثاله الآخر، في إحدى محطات المترو، الذي يبدو فيه مثلم معلم للدروس الابتدائية، ماسكاً كتابه في يده وسط إهمال المسافرين المتدافعين العابرين.
بوشكين ينظر إليَّ من عاليه، بعد أن نزع قبعته ووضعها خلف ظهره. من عاليه، لا لقامته العالية، والأرستقراطية وحسب، وإنما لأن النحات جعله على هذه الصورة. يؤسفني أن أقول له: تعبتُ كثيراً قبل الوصول إلى "مقهاه" الشهير. لم تسعفني روسيتي المنعدمة في التمييز بين "شارع" و"بولفار" متجاورَين يحملان الاسم نفسه. أما الشاب الديناميكي، الذي استخرج من سيارته دليل الشوارع بالألكترونية، مع صورها ومخططاتها، فنصحني بالتوجه عكس الاتجاه المطلوب. تعبتُ في الوصول؛ ضُعْتُ وضُعت، ولما وصلت فعلاً، وجدت المقهى معتماً، ففضلت الخروج للتمتع بغيوم كثيفة غير ماطرة، لحسن الحظ في هذا الصباح.
غيوم وزهور، أشباح وجمالات. قصور لامعة، براقة، نظيفة، مستقيمة القياسات والممرات، مثل رسم هندسي لمعماري "منضبط"، بل مجتهد، يطلب إبهار من يعمل عندهم، فلا يلبي "فكرة" يخدمها سوى العظمة، سوى تمثل "الكلاسيكية"، المحوَّرة طبعاً، الواقعة بين قصور مدينتي البندقية وفلورنسة وبين "قصر فرساي" الفرنسي. إلا أنه أكبر من قصر، وأصغر من مجمع هندسي أمبرطوري؛ إنه نموذج للعرض، للإظهار، لا للعيش فيه.
مثل شخصية روائية في كتاب لدوستويفسكي: تائه، متمزق بين عنف وفضيلة، بين القيصر والأيقونة.
---
لماذا هذا الإجهاد في السير؟ لماذا هذا التنبه الشديد لما يَعبر، لما يقع فوق الواجهات، مثل لص في لحظته الأخيرة؟ لماذا هذا السبر لما يبدو ظاهراً؟ أيعني هذا أن للعين قدرة على اختراق ما يمثل لها مثل سر مودع فيها، أو مثل شلال من علامات لن يتوانى عن التدفق؟ ماذا تظن؟ أتظن فعلاً أن للأمكنة "روحا"ً، كما يقولون، لن تتوانى عن الظهور، لكَ، وحدك، مثل التجلي أو الكشف؟ أهذا كله لموسكو أم لك أم له، هو من سيجهد بدوره في التقاط ما يقع وراء الكلمات، وخلالها، وبينها؟ أسيكون أفضل، للتخفيف من مخاطر السرقة والنشل والضياع وعدم التواصل وخلافها، أن تنتسب إلى "حضانة" السياح المنظمين، الذي يقفون بالصف، وهم في أسفل العمر، يتبعون "المرشد" في شروحه، رافعاً لهم علمه الخاص لكي يحسنوا الالتحاق به حيثما كانوا؟
أسيكون أفضل، مثل الكوري الجنوبي الذي وقعتُ عليه عند محل استلام الحقائب بعد الوصول إلى موسكو في الرحلة الداخلية، وهو يتأنى في تصوير حقيبته الواصلة على البساط الآلي؟
أتعب في الملاحظة، أحاول أن أتمعن في ما يعرض لي من دون طلبي، على أنني إذ أكتب على أوراقي الصغيرة، وبقلم "البيك"، أسرع إلى التدوين، ليس إلا. هكذا يبقى الانفعال مبيتاً، أو لا يحسن "الدخول" إلى الجُّمل، مثل المتدافعين المتزاحمين أمام بوابات المترو: تراهم يضيقون بأحجامهم، لكي يقووا على الاندساس، لا على التمدد.
عند الخروج من روض ("بارك") جميل أقع على عروس تخرج بفستانها الأبيض من "ليموزين" بيضاء، ذات أربع عجلات وطول يتعدى الخمسة أمتار... تركت العروس تتدبر أمرها، وإذا بي أقع على أخرى أمام إشارة السير حيث وقفت بدوري، مع مدعويها الأربعة، فيما كان طفل يُمسك بطرحتها خلفها. قطعتْ وقطعتُ وراءها؛ هي على عجلة بدليل أنها سارعت إلى الركض، حتى انني لمحتها تعدو وتختفي عن ناظري وراء أشجار في روض آخر...
هل العروس تنتقل على قدميها إلى زفافها، إذ لا تُحسن "الليموزين" الانتقال بها في الشوارع الداخلية؟ أم تتنقل من مكان إلى آخر لكي تُلتقط لها صور أمام هذا المبنى العريق أو ذاك؟ يُحسن سائق الأجرة في طريق الذهاب إلى مطار بولكوفو (في سان بطرسبرغ) أن يشرح لي أن لينين لا يزال واقفاً، كما في تمثاله الذي يَعبر من على يسارنا من على الجهة اليسرى، بل يُحسن قولَ أكثر من ذلك: "لينين خَرَشو" (أي جيد)؛ أما غورباتشوف وبوتين فيستحقان أصفاد القيود (بعد أن رسم علامة القيد بيديه).
في الروض، بعد الخروج من "قلعة بطرس وبولس"، وقبل أمتار من محطة المترو، أرى جميلة حافية القدمين، تسير بخطى أكيدة في أحد الممرات الداخلية ويتبعها شابان: واحد يحمل قاعدة آلة التصوير الفوتوغرافية، وحين ينتبه أحدهم إلى ضحكتي يضحك بدوره، بل يسر إلى رفيقه بشيء، ويُقدم بدوره على الضحك، فيما كانت حافيةُ القدمين قد مضت عني وعنهما، لا تلوي على شيء، مجنَّدة لا أعرف سبب تجنيدها.
آخر خبر: وجدت عروساً بفستان عرسها تقف في صف المتجهين إلى حجز مقاعدهم في الطائرة، في "مركب الركاب رقم 1"، في سان بطرسبرغ: المسافرون في رحلة داخلية، وهي إلى مباهجها.
الطالب الكوري الجنوبي، الذي جلس في مقعد مجاور لمقعدي في الطائرة المتجهة من سان بطرسبرغ إلى موسكو، جلس إلى جانبي في الباص الواصل بين "مطار الرحلات الداخلية" و"مطار الرحلات الدولية" في ضاحية موسكو، من دون أن ينقطع عن التهام الكتاب السياحي بعينيه. توقف عن القراءة للحظات، من دون أن أنتبه إليه، توجه إلي بالكلام من دون أن أتنبه إلى صوته الخفيض:
- عفواً؟
- نعم.
- هل تعرف مقدار الوقت اللازم للوصول إلى المطار الدولي؟
كان في ودي أن أقول له: أما وجدت جواباً عن السؤال في الكتاب؟! لكنني اعتذرت بالروسية:
- نييت (أي: كلا).
---
ثلاث ميداليات للسلطان العثماني محمد الثاني، تعود إلى العام 1481، كل واحدة منها صنعها أحد رسامي إيطاليا الثلاثة الذين حلوا في قصره لمهمة فنية، لم يكن أقلها رسم صورته السلطانية: هذه الميداليات أراها عياناً للمرة الأولى، في "متحف الإيرميتاج" بعد أن وقعتُ على صورها في أكثر من كتاب، وبعد أن ذكرتُها مراراُ في غير كتاب ودراسة: أتملى النظر منها، وأتحقق من أنها "مرسومة" فعلاً، تظهر فيها تقاطيع الوجه السلطاني، فلا تشبه بأي حال القطع النقدية الأموية أو العباسية، التي لا تبرز تقاسيم معاوية أو زياد ابن أبيه..
سؤال استوقفني في "غاليري ترتياكوف" في موسكو، بعد أن رأيت أجمل وأشهر اللوحات التكعيبية لبيكاسو في نهايات العقد الأول من القرن العشرين، وعدداً كبيراً من لوحات ماتيس ومونيه وسيزان وغوغان وغيرهم (بفضل شراء جامعَين روسيين يقظين لقيمة هذه الأعمال، عند إنتاجها، وهما: شوكين ومازاروف): أما تأثَّر جبران خليل جبران – الذي درس التصوير في باريس - بلوحات ماتيس الحافلة بعُراتها العائمين والدائرين في حركات راقصة، متعالقين ببعضهم البعض، كما في عدد من لوحات جبران المعروفة؟
أتحقق، في تتابع صالات للفن الفرنسي، من أن بيكاسو اعتنى بالشكل، فكسرَ ونقل ووضع أعضاء من الجسم الإنساني مكان بعضها الآخر، في "لعبة" لا يعدو اللون فيها أن يكون مسحة خارجية للشكل، إذ كان يرسم أكثر مما يصور. فيما بدا لي أن ماتيس يعتني باللون أكثر من الشكل أو على حسابه، بل أراه يمدد مناخية اللون من بساط الطاولة إلى شرشف السرير... وهو ما يمكن قوله في "خيارات" غيرهما التشكيلية، في هذه اللحظة "المفصلية" فعلاً في التصوير، حيث تجددت خلافات قديمة في التصوير الأوروبي حول الأفضلية بين الرسم واللون... هذا السؤال أنقلُه من شارع إلى شارع، ومن جملة إلى أخرى: هل يُمكن القول إنَّ ذهبَ القباب هو من ذهب الأيقونة؟
---
الرافعة كأسها، بضحكتها الصفيقة، وبأسنانها اللامعة بعد الخروج من الحمام، تلبسُ فستان السهرة المكشوف ذاته، بعد أن وضعتْ قرطها في أذنها اليمنى: تتبعني من مدينة إلى أخرى، فوق الأرصفة، حتى أنها أضجرتني لطول عهدي بها.
لا "أصعد" إلى المترو (كما يقولون في الفرنسية)، وإنما أنزل إليه واقعاً، نزولاً مديداً، كمن ينزل إلى ملجأ حصين من تخطيط ستالين إبان الحرب العالمية الثانية.
حتى أنك تخال نفسك السارق في نهاية النهار، إذ تعود إلى غرفة الفندق مساء، وتبسط أدلة المعارض والصور أمام ناظريك، مثل لص يستعرض غنيمته.
أتحين الجلوس في مقهى "غرسون" (أي: الولد، بالفرنسية) لكي أقرأ في جريدة تصدر مرة كل شهرين، بالفرنسية، أخباراً عن الدوقة الكبيرة، حفيدة ووارثة عرش روسيا الأمبراطوري، أو عن فيلم عن السارقين في موسكو.
قد أحفظ بعض الحروف، وأُحسن قراءة اسم المحطة، ولكن ماذا أفعل إذ أطلب الخروج من هذه السراديب؟ كيف أحسن الوصول؟ أعليُّ أن أُسلم جسمي لحركة الجموع، التي تقودني – كما في قطيع – إلى حيث لي أن أصل معها ربما؟
---
بمجرد أن وصلتُ إلى تمثال دوستويفسكي، وجدته يدير ظهره إلى "مكتبة لينين" (كبرى المكتبات الروسية التي حافظتْ على اسمها). صاحب "جريمة وعقاب" يدير ظهره جالساً على كرسي، واضعاً يديه على قدميه المنفرجتين.
وقفتُ أمام مرمى نظره، فما نظر إلي.
فاتحٌ عينيه، إلا أنه كان كمن يرى إلى داخل، في عتمة قصية؛ كان له أن يسبرها بقدر كبير من التركيز. وجدتُه جالساً، متجهماً، سوداوياً، عابساً، بخلاف تمثال آخر، لعجوز سمين أصلع تحت زخات المطر: كان يتلقاها من دون أن يبدر عنه أي امتعاض، أو أي ميل للوقوف من على كرسيه للاحتماء تحت مظلة، سيلقاها في الشارع في يد أي عابر. بلى، كان دوستويفسكي يستعد بل يتحين الفرصة للوقوف، للهرب، للاختفاء، من دائنيه الكثر، مني ومن غيري، ممن يتدافعون بين محطة المترو ورفوف الكتب... يتحين العودة إلى بيته، إلى سكرتيرته الأخيرة، لكي يُملي عليها كلماته دفعات ودفعات، من دون أن يستعيدها، مثل من يُملي "إرادته" الأخيرة قبل طلقات الإعدام رمياً بالرصاص. كنتُ أثبت نظري فيه، بينما كان لا يفارق قعدته، ولا نظرته الغائبة، الغائمة. كان مرتبكاً في قعدته، إذ كان يعلم أنني وغيري نعرفه. سنتعرف عليه، كيفما كان، أينما كان، بين السطور أو في السلالم الملتوية، في باطن الكتب أو في خفايا الظنون.
كيف لا أعرفه، وأنا عدتُ إلى إحدى رواياته، في أول تمرين كتابي أجريته مع نفسي قبل أن أعرضه، وأنا في الرابعة عشرة من عمري، على رفاقي في عطلة صيفية في مدرسة داخلية. عدتُ إليه، محيلاً الرواية (بأحد أقسامها) إلى تمرين مسرحي، جاعلاً من نفسي ممثلاً. هذا العمل لا يذكره أي من رفاقي. بخلافي، إذ خبرتُ في تلك الأمسية الصيفية أنني ما كنت أُمَثِّل واقعاً إلا لكي أستظهر صوراً من عتمتها، من مجاهل الحقد والكراهية والقتل، من مجاهل الضد المخبوء...
في تلك الليلة شعرتُ بأنني "بَلَغْتُ"، وأنني أتجول في عالم خفي ما حلا لي، فأدبر مقتلات ومواعيد سرية أيضاً، لا يعرف الداخل إليها بوصوله إليها إلا بعد وصوله إليها. باتت لي قلعة لا يعرف بوجودها المراقب العام، ولا يسبر مجاهلها رفاقي اللاهون عني في لعبة "السكرابل" لتحسين لغتهم الفرنسية. هي مسرحي، حيث أتكفل بكل شيء، نصاً وأداء وكلفة وجمهوراً.
كيف لدوستويفسكي أن يهرب مني، وقد أفادني ألبرتو مورافيا، بعد سنوات لاحقة، في أصيلة، في بيت محمد بن عيسى، لما سألته: "كيف تتعرف على الأديب الجيد من الأديب السيء؟"، أن الأمر سهلٌ له، ويتحقق منه على عجل: "الكاتب مثل المنشد الأوبرالي تُظهره جملتُه الأولى". فقلتُ له: "هذا لا يصح في دوستويفسكي. جملته مرتبكة، حتى أن مباني بعض رواياته "مهزوز". ألا تعتقد ذلك؟". لم يَردّ مورافيا على كلامي بالسرعة عينها، السابقة، كما لو أنه كان يدير جوابه دوراناً يخفف من مفعوله، من وقعه علي: "لعلك تتسرع في ما تقول، لعلك لم تنتبه إلى أمر، وهو أن دوستويفسكي كان له تأثير بالغ على أدبي وأدبِ غيري، بل إن أدب القرن العشرين عموماً ما كان له أن يكون مثلما كان، في "جوانيته" التعبيرية، لولا دوستويفسكي وجملته الملتمة على نفسها. أتعرف أن دوستويفسكي أدرك مجاهل النفس قبل عِلم فرويد، وأفضل منه؟".
سكتُّ صاغراً لما قال، وتنبهت إلى ما قاله حرفاً حرفاً، على أن أستعيده، ذات يوم، في نوع من الاعتذار، ولو المتأخر، من مورافيا ومن دوستويفسكي.
ها أنا أفعله، اليوم، لهما معاً، بعد سنوات وسنوات، على حصول هذا الحوار القديم.
كان اليوم صاحياً ما يكفي لكي أنعم النظر في السماء البهيجة مثل نعمة، لكي يبقى في جلسته، وأثبت في وقفتي، مثل صديقين قديمين يتأخران في المحادثة ليلاً أمام بوابة أحدهما قبل الافتراق.
كانت المكتبة خلفه، وكانت أمامي.
---
عبرتُ وحسب، بين الوجوه، فوق أرصفة مبلطة، من دون أن "أفك" سوى حروف وكلمات قليلة.
الصديقان يتعانقان فوق سلم المترو، أو إذ تصل إليه، عند الخروج، حيث ينتظرها. تُقْدم الأم على إخراج "علبة البودرة"، بعد الانتهاء من الأكل، لرسم زينتها من جديد. وهي العناية عينها التي ألقاها في طلة هذه أو تلك، فتبعد صور "البابوشكا" (العجوز الطيبة، المتمنطقة بمنديلها على رأسها)، أو الفلاحة أو العاملة في أدب غوركي. أو "شيطنة" اللاهين واللاهيات في الشارع، إلى جانب الفندق، من دون حرج، في ليلة السبت. لاهون عني، ولا يأبهون بي، بما أحاول أن "أقرأ"، وبما "أكتب".
(5-10-2008).