إقامتي في لغتي
لطالما تساءلت في طفولتي ما إذا كان غيرنا، نحن اللبنانيين، يمتلك بيتين: واحد صيفي وآخر شتوي. وتنبهت بعد وقت إلى أن الأول يحتجب عن المتوسط في أحوال، والثاني لا يُبنى في الغالب، ولا يُشترى، ولا يُقام فيه، إلا إذا أطل على البحر. وإذ راجعت في بحوثي سِيراً عديدة، ومنها سيرة عائلتي، تحققتُ من أنها اختارت "النزول" إلى البحر، على أنه أيضاً، وفقاً لجغرافية لبنان، النزول إلى المدينة.
من بيتي الصيفي لا أرى البحر أبداً. أخمِّن من دون صعوبة كبيرة موقعَه، إذ يتعين في الوادي، في منتهى النهر النازل من قريتي صوب الساحل المتوسطي. من بيتي الشتوي أشرف على البحر من دون تعب: هو أمامي، لي، وتبدو الشرفات الثلاث التي تفضي عليه أشبه بنوافذ تفضي على مشهد داخلي، على مشهد أليف.
بين هذين البيتين أقيم، وفي التوسط بينهما.
من القرية التي آتي منها لا أرى البحر؛ له وجهة فقط. الجبل أفقي، وهو ما يحدُّني واقعاً، إذ أن ما وراء الجبل يسحرني عند الغروب، بعد أن تسقط الشمس خلف الجبل فيتلألأ عاليه مثل عقد أو سبحة مترامية حتى الماء البعيد: أعلم عندها أن الشمس انتقلت إلى غيري...
هذا المتوسط، الذي لي، رابية مطلة عليه. فضاء يسبقنا ويبقى بعدنا، مثل وصية منسية وتعهدات مؤجلة. وهو نافذتنا على العالم أيضاً. لكلٍّ نافذته فيه، أو شرفته، من دون أن نلتقي في غالب الأحيان. لنا وحسب عيونُ ريبةٍ وخشية واشتهاء للقريب. ننظر إلى بعضنا البعض شزراً. ما أن ندرج فوق رصيف، يدرج الآخر فوق رصيف مقابل. في هذه العداوة، التي تنتهي إليها هذه الجيرة الإلزامية، ما يثير، ما يحرض أحياناً. وفيها من الغباوة أيضاً.
بين هذين البيتين أقيم، أياً كان البلد الذي أعيش فيه. سواء على المتوسط أو على الأطلسي... إذ أن الإقامة عندي لا تعني الثبوت في مكان، ولا التماهي معه، وإنما تعني البحث عما يسهِّل لخطوي التنقل، بل الترحال، كما في صحراء من دون دليل أو خريطة. ذلك أنني لم أطلب من العيش سوى الذهاب إلى ما يقع بعد الحدود، سوى التسلل عبرها من دون تذكرة مرور.
ففي هذا الإيقاع يرتاح خطوي إلى جسدي، ويرتاح جسدي إلى هبوب الهواء، ويرتاح الهواء إلى تدافعاته، فأتنفسه ويتنفسني، كشريكين في رقص.
تحفل الكتابات العربية القديمة بأقوال كثيرة عن "الواسطة"، وقد عاد إليها بدوره أحمد فارس الشدياق في كتابه عن رحلاته، وطبقاً للسجع الذي طلبه منذ العنوان عند حديثه عن مالطة: احتاج الشدياق إلى الواسطة عند الحديث عن السفر والتنقل، بينما يستوقفني في الأمر أن كُتاباً عديدين قلما انتقلوا من المكان الذي كانوا يقيمون فيه. مثل الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر الذي لم يركب الطائرة في حياته، ولعله لم يزر برلين إلا لمرة أو لمرتين، بينما ركب القطار إلى باريس مرة واحدة للمشاركة في مؤتمر عن فلسفته. وقد تكون لهايدغر أسباب أخرى في عدم التنقل لا تعود إلى إصرار نجيب محفوظ على البقاء في مدينته، القاهرة، الأثيرة، حتى أنه لم يغادرها عند فوزه بجائزة نوبل للآداب، واضطر للسفر مرة واحدة إلى اليمن بقرار من الرئيس جمال عبد الناصر. ولقد استوقفني في هايدغر قولُه في بحثه الشهير عن "أصل العمل الفني" أن القدمين اللتين لهما الحذاء الذي صوره فنسنت فان كوخ، في أكثر من لوحة، "تعودان لفلاح حكماً"، وبما لا يرقى إليه أي شك، بينما قد يكون الذي انتعل الحذاء، الذي يعود إلى فلاح، جندياً أو بورجوازياً، أو فيلسوفاً...
هذا التجذر، فيما يخصني، أجده في اللغة، وإن لي صلات ومزاعم حيث ما أقيم وأتحدر وأجلس على شرفاته الكثيرة. متجذر فيها: أستقصي فيها وأتحرى عما يلبي رغباتي في التعبير، فأنا أشم وأذوق حيثما يحلو لي. ولا يعنيني الكلام عن "الشرقي" و"الغربي"، وإن كان له معنى في سياقات أخرى، طالما أنني أهجس بالبحث عن الآخر، أي آخر، واجداً فيه أناي المفقودة، المكملة، أو المقلوبة.
ففي نفَسي هواء وأصوات متحصلة، أو تهب علي من أنحاء بعيدة مختلفة. فكيف لي أن أمنع هبوبها، وقد جعلتُ من الهبوب إيقاعاً لكلامي!
(23-11-2008).