عن أحمد جاريد : مثلما المصادفة موعد محتم

يخال قارىء سيرة الفنان أحمد جاريد، وبعض ما كُتب عنه، وأمام تواتر أسباب علاقة، في نتاجه التشكيلي، مع النص الكتابي (الشعري، الصوفى...)، أنه أمام علاقة تعبير لازمة بين الكلمة واللون (والشكل)، فيما العلاقة هذه مضللة، لا تقودً، ولا تعرِّف تماماً، بما هو عليه صنيع جاريد التشكيلي.
أن يعول الفنان، أو يتكل، أو يستعير، أو يتجه صوب... النص الكتابي، فهذا ما يختاره، إلا أنه لا يعين تماماً ما قام به، ولا ما انتهى إليه عمله فوق اللوحة. وهذا ما يضلل أيضاً، لو اتبعنا عناوين بعض لوحاته ("مكاشفة"، و"الطريق صوب شفشاون"، و"الغرفة الزرقاء" وغيرها)، إذ أنها تشير بدورها إلى أفعال، ربما إلى وقائع حادثة، غير أنها لا تختصر أبداً ما ينتهي إليه قوام اللوحة.
ذلك أن ما ينشىء اللوحة لدى جاريد، وما تنتهي إليه، عو عمل تظهير بصري (كما في استظهار الصورة الفوتوغرافية من نسختها "السلبية")؛ وهو ينبىء بما هي عليه ثقافة جاريد البصرية، والتي تتعين في مدى قبول عينه لما تصنعه وتحدثه. فما يمثل فوق لوحته ليس صورة مستقرة، ولا متبلورة، ولا ناجزة، ولا تصدر عن مخطط جلي (وإن تبتدىء اللوحة من رسم أول، أو من حافز وغيرها)، وإنما هو صورة تنتهي إليها الممارسة التشكيلية، إذ هي صورة قلقة، حذرة، لا تبلغ نهايتها، أو تجليها الأخير، الحاسم، إلا حين ينتهي الفنان إلى تقبلها، إلى توقيعها.
هي عين الفنان، قبل عين المتلقي. هي عينه، التي تستجمع في كثافتها تاريخ ما حصلته، ما تستحسن رؤيته وترغب في أن تعرضه على غيرها، في نوع من الشراكة، السلبية (أي من طرف الفنان نفسه على المتلقي)، أو الإيجابية (أي بنوع من التواطؤ بينهما).
وهي عين ثقافية بقدر ما هي إحساسية، طالما أن الفن الحديث بات يعتني بسياقه المخصوص (أي خطاب الفن نفسه، بين الفنانين ودارسيه)، بشروط إنتاجه، قبل سياق التلقي له (أي بين متذوقيه العموميين والخاصين).

استوقفتني في إحدى اللوحات فردة حذاء نسائي، وتذكرت ما قرأت عن "أصل العمل الفني" عند هايدغر، عن حذاء فان كوخ في غير لوحة من أعماله؛ وهي الأحذية عينها التي استعادها ديريدا في إحدى دراساته التي اتخذت من الحذاء بدورها ذريعة للحديث عن الأصل وعن الفن في آن. تذكرت، إلا أنني تساءلت: هل يدل الحذاء النسائي في لوحة جاريد على "أصل" اللوحة، أو على فنيتها، أم لا يعدو كونه ذريعة - وإن كان ابتداء في لحظة عيش – للتشكيل؟
أتساءل، ذلك أن فردة الحذاء، هي مثل شباك مغربي مزخرف، أو غيرها من العلامات "الواقعية"، نادرة في أعمال جاريد؛ وهي إن ظهرت في أعماله الأخيرة خصوصاً، فإنها لا تعدو كونها تضلل العين فيما تدعوها. هي أشبه بالخديعة، بإضاعة العين، بتعليقها فوق منظر وهمي ومتخيل، إذ أن حاصل العمل، أو جهده الأساسي، واقعٌ في جهة أخرى، في استحواذ آخر: على لعبة التصوير نفسها، وبأدواته نفسها.
هي فردة حذاء نسائي طبعاً، "بما لا يقبل الشك" (مثلما قال هايدغر عن أن الأحذية الماثلة في إحدى لوحات فان كوخ تعود لفلاح حكماً، "بما لا يقبل الشك")، إلا أنها هي أقرب إلى أن تكون أيضاً لطخة، أو ضربة لونية، وتلتبس بالتالي مرجعيتها "التشبيهية".
ذلك أن ما يشغل جاريد يكمن في بناء فوق السطح التصويري يحيل أو يحتكم إلى بنائيته نفسها، مثل احتكام النص الحديث إلى علاقاته التي تتعين فوق الأسطر، في جملته النحوية الممتدة. لهذا ترى البناء عنده ينبني باللون، أكثر منه بالعلامة، أو بالرسم، أو بالشكل. وما يذيعه اللون، أو ينشره، مضلل هو الآخر، إذ أن ما يظهره هو غير ما يضمره. فهو يبسط اللون أحياناً كما في لوحة مائية، أي بسرعة، من دون تظليل أو معالجة مستلحقة، أشبه باللون إذ يحط لمرة أولى وأخيرة فوق الحامل المادي. وهو يقوم، في لوحات أخرى، بطمر اللون تحت اللون: فاللون يخفي، يراكم، أكثر مما يُظهر أو يجلو أو يعرض. كما لو ان المحو هو شكل الكتابة، أشبه بـ"تطريسات" لونية فرعونية، يتبين فيها المتلقي آثار ألوان تحت اللون ... "الأخير" بالتالي. كما لو أن طلس اللون على اللون هو الشكل الممكن لإظهاره.

هذا الحديث عن اللوحة والنص، قد يبدو للبعض حديثاً قديماً، يشير إلى صلة "تراثية"، ماثلة، على سبيل المثال، في عمل الواسطي على مقامات الحريري (وغيره طبعاً)، إلا أن هذا الحديث يشير – بالمعنى التاريخي، والفني بالتالي – إلى صلة ناشئة، تعود في مبتدئها – على ما درست – إلى رائعة ستِفان مالَرْمِه: "رمية نرد...".
ولقد كانت أكثر من رمية موفقة، إذ جمعت بين قصيدة وأعمال ليتوغرافية، من جهة، وبين تصور بصري للقصيدة يتعين في علاقة مستظْهَرة بين اللوحة والكتاب، من جهة ثانية. وهو ما أريد أن أشدد عليه، هنا. فقصيدة مالَرْمِه – كما رسم الشاعر الفرنسي مخططها – تتعين في صفحتين مفتوحتين، على أنهما تشكلان معاً صورة القراءة، فيما تكون الصفحة "ميتة بصرياً" إذ يكون الكتاب مغلقاً. وهو ما غفل عنه أدونيس في مسعاه لمحاكاة صنيع مالَرْمِه، في "الكتاب"، إذ أن الصفحة عنده مستقلة، كما في كتاب مغلق، عدا أن توزيع الفقرات الداخلية في الصفحة الواحدة في "الكتاب" يقترب من المرجعية الإسلامية الكتابية، التي تجمع بين النص وهوامشه أو تفسيراته.
قام صنيع مالَرْمِه على مجاراة اللوحة في نشر قصيدته، وهو ما لم يبلغه شاعر (أو فنان) في صنيعه، على ما أعرف. ما يعنيني من هذا القول، هو أن صنيع مالَرْمِه صنيع بصري بالمعنى التام للكلمة (فيما سبقه بودلير إلى إيجاد شبه آخر، بين اللوحة والقصيدة، وهو أنه وجد في "صورة" الفنان التشكيلي "صورة" الشاعر الحديث)، وهو ما تعين في تجارب مختلفة لاحقة، هنا وهناك، وسَّعت من مجال التعالقات و"التواشجات" بين الكتابي والبصري.
هذه الصلة بين الكتابي (بالمعنى الحديث) وبين البصري نجدها في عمل جاريد، وهي غير العلاقة القديمة، "التراثية"، التي تتعامل مع الصورة على أساس السمع، مثلما قال ابن الجوزي عن القصاصين في معرض آخر، ولكن مناسب لفهم هذه العلاقة القديمة: "إنما يستمع هؤلاء على سبيل الفرجة". وهو ما يمكن نقله إلى سياق آخر، وهو القول بأن هناك من يعرضون للمتفرج، لا على أساس بصري محض، وإنما على أساس قرائي، قديم.
جاريد ليس من هؤلاء، إذ أن صنيعه ينهل من معين بصري، وعلى سبيل الفرجة؛ وهو ما يستحسنه بنفسه قبل غيره. فجاريد يحاكي السطح الفني مثل صفحة، ولكن بعقلية بصرية.

تحيل لوحة أحمد جاريد على عناصرها، بما يبنيها وفق العلاقات التي يتدبرها فوق السطح التصويري. وهو في ذلك أقرب إلى المسافر من دون مخطط، إلا أن له في جعبته، في مِلْوانتِه (حاملة الألوان)، التي ينقلها معه، ما يمكنه من أن ينصب أكثر من بيت، ومن أن يعيش أكثر من لحظة حارة. تحيل على بنائيتها المخصوصة، التي يحتل اللون فيها – ولا سيما بسطتُه الأساسية، في وسطها، مكان خط الأفق في اللوحة الكلاسيكية – فسحة الاستقبال، فسحة الإخفاء، وفي آن. ذلك أن اللوحة عنده تأتي من داخلها، من عمقها، من مكونها المحتجب، فتخرج إلى متلقيها، وإن كان يوحي ظاهر اللوحة بشيء من التسطيح الجلي.
ففضاء اللوحة لم يعد خارجها (وإن يستقي منه بعض عناصره)، وإنما فيها، فوقها، فيما يؤلف اجتماعها المخصوص. وهو فضاء متخيل، وإن له مسبقات في عين الفنان، تجيزه وتصححه، وله أطر استقبال في عين المتفرج، تنفر منه أو تلتقيه لقاء الأحبة المجهولين والمغمورين. في مثل هذا السفر تقيم اللوحة، في مثل هذا الهجس بها، في مواقعتها، في مراودتها، على أن أشكال الصدفة الكثيرة والمتراكمة ترتسم – أخيراً – مثل لقاء محتم.
بمثل هذا الشوق، بمثل هذا الزخم، باستشعاره أحوال المخاطرة بوصفها أحوال الملاقاة الصاعقة، يُقبل جاريد على لوحته، على أنه لا يميز بالضرورة بين ما يلمسه وما يفعله، بين ما يُقبل عليه وما يخرج إلى استقباله.
هو مثل العصا للكمان، إذ يختلط الهواء يالإيقاع، واللمسة بملمسها.
لهذا لم يعد الفن عند جاريد فعلَ "تجويد" أو "تحسين"، كما يظهر في الزخرفة الإسلامية، أو في اللوحة الكلاسيكية، ولم يعد مبنياً وفق "قواعد" يتم العودة إليها في صورة لازمة، وإنما أصبح الفن أشبه بالسفر، بعمل المسافر، الذي ترسم خطواتُه جذورها. أصبح عملاً بالمعنى التام للكلمة، لا تنفيذاً، ولا تدويناً، لما هو متبلور خارج سطحه. باتت تنحو اللوحة إلى "كيانيتها"، إلى احتكامها الذاتي، الذي يتكفل بها، وحده من دون غيره.
لهذا بات جمالُ الوصول مكافأة المسافرين المغامرين، وجمال التواصل مكافأة المرافقين الجسورين.

(مقدمة دليل معرضه التشكيلي الاستعادي في "باب الرواح" في الرباط، في خريف 2007)