عروض، معارض...
لشربل داغر صلات قديمة ومتجددة بعالم الفنانين التشكيليين، سواء أثناء إقامته في فرنسا، أو بعد عودته إلى لبنان. ولقد كان لعيشه في باريس، بين متاحفها وصالات عرضها، إلى جانب دراسته في "السوربون"، ولصلات التعرف والصداقة التي جمعته بفنانين من بيئات ومرجعيات وأساليب مختلفة، ما جعل من الفن قطباً موازياً لانشغاله في الآداب. وهو ما اكتمل دراسياً بانصرافه إلى الدفاع عن دكتوراه ثانية، في الفنون تحديداً.
إيتيل عدنان
قد يكون أوثق صلات شربل داغر وأقدمها بالفنانين هو ما جمعه بالفنانة والكاتبة اللبنانية إيتيل عدنان، إذ تعود بدايات هذه الصلة إلى العام 1973، في بيروت، وتأكدت في صورة أقوى بعد انتقاله إلى باريس في العام 1976 .
وكانت عدنان، بحساسيتها الشعرية كما الفنية، قد شرعت، منذ العام 1964، في تصور وإعداد كتب فنية مخصوصة، تجمع بين الشعر والتصوير. فاعتمدت الدفاتر الموسومة بـ”الماكيمونو“، المصنوعة يدوياً، وهي دفاتر يعتمد عليها الفنانون الصينيون واليابانيون منذ قرون بعيدة لكتابة الشعر فضلاً عن الرسم. ولقد اعتمدت عدنان هذه الدفاتر منذ السنة المذكورة، وكرست العديد منها، كتابة وتصويراً، لشعراء عرب عديدين: بدر شاكر السيّاب، عبد الوهاب البياتي، محمود درويش وغيرهم.
وهي مزجت في دفاترها بين الكتابة والتصوير، وفي آن معاً. إلا أن كتابتها تبتعد عن أي نسق كتابي نمطي، أو خطي، منساقة إلى كتابة حرة، تلقائية، أشبه بكتابة ”طفولية“، مندرجة في الوقت عينه مع أشكال تصويرية تتألف من علامات أو أشكال أو هيئات مستقاة من تقديمات القصيدة نفسها. وسبق للفنانة أن ذهبت بعيداً في تجربتها هذه، إذ زاوجت في قصيدتها ”رؤيا قيامية عربية“ بين الألفاظ والصور وفوق السطر نفسه.
وتعد إيتيل عدنان من رواد الحروفية في العالم العربي، وتربطها بالشاعر شربل داغر صلات قديمة ومتجددة، إذ ترجم بعضاً من شعرها وقصصها، فضلاً عن تخصيصه دراسة وافية عنها، تعد الأولى عن فنها الحروفي في كتابه ”الحروفية العربية“. وهي كانت قد أنجزت دفتراً فنياً خاصاً بقصيدة ”رشم“ لداغر، ثم دفترين آخرين انطلاقاً من قصيدتين طويلتين للشاعر: ”فتات البياض“ و”عتبات“.
وجدان
ترقى علاقة داغر بالفنانة الأردنية وجدان علي إلى العام 1979، إذ تابع بعناية تجربتها الفنية المجددة، فضلاً عن جهودها التأسيسية في أكثر من مجال: "الجمعية الملكية للفنون الجميلة" في العام 1979، و"المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة" في 1980، ثم عميدة كلية الفنون والتصميم في الجامعة الأردنية وغيرها الكثير. كما اعتنت وجدان بدراسات داغر الفنية والجمالية التي تتقاطع مع كتبها ودراساتها في الميادين عينها، حتى أنها بادرت إلى التعاون النشري مع "المركز الثقافي العربي" لإصدار كتاب داغر: "مذاهب الحسن: قراءة معجمية-تاريخية للفنون في العربية"، وإلى تنظيم ندوة نقدية بعدة أصوات حول هذا الكتاب في "المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة" في العام 1999.
ويمكن القول بأن تجربة وجدان انتقلت إلى مرحلة جديدة من خلال مشاركتها في معرض ”تواشجات بين شاعر وفنانين“ (على ما صرحت هي بنفسها)، حيث أن أعمالها الفنية التسعة، المستقاة من قراءة خاصة بها لعدد من قصائد شربل داغر، استجمعت خلاصة تجاربها، وانتقلت بها إلى رحابة جديدة. فهي أنتجت أعمالاً يمكن تسميتها بـ”ورق على ورق“، إذ أنها تقوم على توظيف أوراق مصنوعة باليد، في الكتابة والتلوين، وفق تركيبات بنائية مبتكرة، ما جعلها تطلق عليها تسمية: ”معلقات“، في إشارة مزدوجة إلى فكرة ”المعلقات“ القديمة، وإلى العلاقات التي ينسجها اللون والشكل مع الشعر، من خلال شعر شربل داغر. وهي توقفت لهذا الغرض أمام قصائد مختلفة لداغر، مثل: ”مواطن بالوكالة“، "أغار“، ”أكاسيا“، ”حاطب ليل“ و”حصى لصبرها الصاحي“ وغيرها.
وإلى مشاركتها المميزة في معرض "تواشجات"، في عَمان، نظمت وجدان معارض مختلفة لهذه التجربة في: لندن، وروما وغيرها.
هذا ما تحقق، بداية، في معرض أقامته «غاليري أكتوبر» في لندن، بين الثامن عشر من شباط –فبراير والسابع والعشرين من آذار-مارس من العام 2004، بعنوان: «قصائد باللون والورق». ولقد قدم الناقد الإنكليزي جيرار هوغتون لهذا المعرض بدراسة شدد فيها على تميز هذه التجربة، وعلى تجذرها في تقاليد ثقافية وفنية عربية. فقال: «في أعمالها الفنية الأخيرة تستلهم وجدان قصائد للشاعر اللبناني شربل داغر، فتستعيد الدفق المتوازي للشعر كما للخط، اللذين تتعين فيهما خصوصاً عبقرية العربية. يكتب داغر القصيدة الحديثة، بلغة شديدة الخفاء في تراكيبها، طالباً من القارىء التكفل بل المشاركة في جلاء المعنى. ذلك أن المفارقة في هذا الشعر، هو أن الدأب على التجريد المكبوح لا يخفي في القصائد تدفقات عاطفية عالية، غير متوقعة، بعد أن يكون قد جرَّها، مثل الماء المختزن، من عميق التركيب الشعري، المتكتم بالتالي على شبقية حميمية». ثم يختم الناقد هوغتون بقوله: «في هذه الأعمال الفنية، تتوهج هذه المؤثرات السحرية بإشعاعات مثيرة، بشلالات وأحزمة من لون، متمازجة مع كتابات مركبة تعبر عن عمقٍ شديد الحساسية ونابض بالحياة. (...). هكذا يتحد الشاعر والفنان، بل هكذا يكونان: أشبه بعرّافين، يجعلان المخفي مرئياً».
ومن الجدير ذكره، أن المعرض شهد إقبالاً وعرف نجاحاً، خاصة بعد أن أقدم «المتحف البريطاني» و«متحف أشمول»، فضلاً عن أفراد جامعين، على شراء مجموعة من الأعمال المعروضة (عن الموقع الإلكتروني لصالة العرض اللندنية، وعن جريدة "الشرق الأوسط"، لندن، 26 آذار-مارس 2004).
كما أقيم معرض آخر لها بعنوان «الشعر والرسم والتصوير في اللوحات الحروفية للفنانة وجدان علي»، في صالة «ستوديو S » للفن المعاصر بروما، بين العاشر من اذار-مارس والثاني من نيسان-إبريل من العام 2005. ولقد قدم الناقد كارميني سينسكالكو هذه التجربة، متوقفاً عند سيرة وتجربة الفنانة وجدان في مراحلها المختلفة: «تمكنت الفنانة وجدان من إيضاح تجربتها الفنية الذاتية من خلال صياغتها في تكوينات تجريدية لا تستغني أبداً عن الإشارات والدلالات غير المباشرة بنفس الوقت الذي تحتفظ فيه تلك التجريدات بالإشارات الشعرية والغنائية البصرية. فاعمالها الفنية هي «فعل فني معاصر» مفعم بالمفردات الفنية النابضة والحية والمستخلصة من الموروث الثقافي الإسلامي». كما عالج الناقد استخدامات وجدان للخامات الورقية المصنوعة يدوياً، والتي تمثل جميعها، وبنظر الكاتب، نقطة انطلاق مهمة في مراحل تطور تجربتها الفنية. ولقد استندت الفنانة في ذلك إلى تقنيات وخامات طبيعية ويدوية الصنع، «فتزاوج فيها الجانب الشعري لقصائد الشاعر اللبناني شربل داغر مع الصفاء اللوني التعبيري الحالم، إذ تحقق تلك الطبقات اللونية الشفافة ذات الايقاعات اللونية المتفاوتة نتائج لونية وتعبيرية شديدة الحساسية بصرياً ونفسياً».
ويشير الكاتب في تحليله أيضاً إلى أن الفنانة، ومن خلال توظيف كل من تقنيات التركيبات الورقية الملونة (Assemblage )، وتكوينات فن الإلصاق (Collage )، قد تمكنت من تحقيق نتائج بصرية وجمالية نقية خالصة لم نشهدها قط في أعمال فنية ذات صلة بنصوص شعرية (نقلاً عن مقالة الدكتور مازن عصفور، في جريدة "الرأي" الأردنية، عَمان، في 27-3-2005).
كما اختار منظمو معرض "الكلمة في الفن" (Word into art )، في لندن، في العام 2006، عملها "رشم" المستوحى من شعر داغر، في المعرض الشامل حول تجارب الفنانين العرب وغيرهم في استلهام الحرف في العمل التشكيلي: راجع في الكتاب: ص 36 و60.
كما نظمت معرضاً في روما مستوحى من أعمال داغر، على ما يرد في هذا الخبر الصحفي:
ITALIA-GIORDANIA: I CALLIGRAFFITI DI WIJDAN, MOSTRA A ROMA
(ANSAmed) - ROMA, 11 MAR - Un pò di deserto, un pò di sole e un pò di pioggia: per il resto solo amore. Il mondo arabo è anche questo, se lo raccontano occhi stanchi di guerre e divisioni e un cuore colmo di speranza. E' così nei dipinti di Wijdan, artista e principessa giordana, che affidando all'arte il suo messaggio di pace, dipinge l'amore, quello che lei definisce "l'unico soggetto possibile". La sua opera artistica arriva per la prima volta a Roma con la personale 'Pittura e poesia nei calligrafiti di Wijdan', organizzata da Ambasciata di Giordania e Fondazione Laboratorio Mediterraneo e allestita nella Galleria Studio S fino al 2 aprile: l'inaugurazione, ieri sera alla presenza della principessa, già da qualche giorno a Roma per un'altra esposizione di donne artiste dal mondo arabo, ha visto la partecipazione del principe Ali, suo marito ed esponente della famiglia reale, di ambasciatori di diversi paesi del Mediterraneo, e anche del novantaseienne 'Lawrence d'Arabia italianò, Amedeo Guillet. Le venti opere esposte, per lo più inedite, comprendono soprattutto i calligraffiti, il risultato più recente della ricerca pittorica di Wijdal: assemblages di carte fatte a mano di spessore diverso, foglie, inchiostri, fibra di vetro, acquarello e spruzzate di polvere d'oro. Elemento costante è il simbolo del cuore che, rovesciato, ora si concretizza nella elegante foglia indiana di peepal (ficus religioso), ora diventa una sorta di timbro con i tratti morbidi dei caratteri arabi della parola 'Tu ed io'. Il cuore e l'amore, raccontati con i simboli o con la suggestione delle parole: come accade nelle opere dedicate alle liriche del poeta libanese Charbel Dagher, iscrizioni arabe quasi sussurrate su nastri di carta dai colori acquerello; oppure nelle opere più recenti, che hanno per base vecchi manoscritti con piccole frasi e pensieri amorosi contaminati di foglie, spruzzate monocromatiche e polvere d'oro. Ovunque, la suggestione dei colori che, dai rosa al blu intenso, sempre illuminati d'oro, sembrano raccontare le sfumature di una terra con le sue tradizioni e le sue ricchezze. Fino alle due uniche opere teoricamente paesaggistiche, 'Foschia sul deserto' e 'Paesaggio con un po' di sole e un pò di pioggià, in cui si sovrappongono fino a dodici tipi di carta a mano di varie sfumature monocromatiche, velate d'acquerello: non dune né gocce, ma solo emozione.(ANSAmed).
Y2N 11/03/2005 11:03
جمال عبد الرحيم
كان يمكن البدء في هذا الاستعراض بعلاقة الفنان البحريني جمال عبد الرحيم بداغر، إذ أنه هو الذي افتتح سبيل التعاون التشكيلي مع شعر داغر. ولعبد الرحيم أكثر من تجربة في صناعة الكتاب الفني يدوياً، وابتداء من الشعر: ”كتاب عاشق“ (1996)، و”مجموعة المعلقات السبع“ (1996)، و”كتاب أجساد“ (1995)، و”كتاب نوران“ مع الكاتب فريد رمضان (1995)، و”رشم“ مع الشاعر شربل داغر (2000)، و”الكتاب“ مع أدونيس (2001) وغيرها الكثير، حتى أنه يعد من أهم الفنانين العرب في صناعة وإبداع الكتب الفنية-الشعرية.
ويجمع الفنان في عدد من محفوراته، التي لا يرسمها وحسب وإنما ينفذها بنفسه في مشغله الخاص في المحرَّق (البحرين)، بين أشكال حاذقة ونسقية ومألوفة ومتعارف عليها، مثل الحروف أو الدوائر التي يحلو له تكرارها والتأكيد عليها، وبين أشكال أخرى تلقائية، مفاجئة، متذبذبة، تتعاكس مع هناءة الأشكال والخطوط والحروف المستقرة. ويوفر هذا الجمع بين المستقر والقلق من الأشكال والحروف حيلة بصرية وشكلية تخفف من الجمود المعتاد للعمل الحفري. الحروف، بل حرف مختار أو أكثر من كل محفورة، تتكرر في أنسقة متتابعة، وهي أنسقة تتخذ شكل السطور المنتظمة والمرصوفة في غالب الأحيان. إلا أن زيادة حرف مختلف، أو تبعيد شكل عن شكل، أو تغوير شكل أحد الحروف، أو تبديل هيئته المتكررة، تكفي لكسر النسقية هذه، و”صدمها“ بالمعنى الجمالي للكلمة.
وفي تجريبه للأشكال والحروف، أقبل الفنان على استعمال أشكال بعينها (خصوصاً الدائرة والمثلث)، وحروف بعينها (مثل الصاد والياء والنون وغيرها)، وعلى التلاعب بإمكاناتها التشكيلية: فهو يوردها في صيغ مختلفة، منها الصيغة المطبعية، أو اليدوية، الخطية أو التلقائية، ويقلبها فوق سطر النظر (والقراءة)، ما يجعل المحفورة حاشدة بالعناصر والتقابلات والتنافرات.
ولقد أقام عبد الرحيم معارض عديدة لعمله الفني "رشم"، في: البحرين والكويت وباريس والقاهرة وبيروت والاسكندرية والدوحة وغيرها.
محمد فتحي أبو النجا
إذا كان شعر شربل داغر قد استثار مخيلة هؤلاء الفنانين وغيرهم، فإن الفنان المصري الدكتور محمد فتحي أبو النجا قد نجح في استثارة الممارسة اليدوية لداغر، إذ دعاه إلى العمل معه في العمل الفني المصنوع باليد: "شغف". ويندرج هذا في مشروعات الفنان أبو النجا، الذي طلب العمل في مشاغل عديدة، مع عدد من الفنانين المرموقين في العالم، مثل اليابانية كيكو غيبا، والمكسيكي خورخي سالسيدو وغيرهما، فضلاً عن تنظيمه ورشات عمل فني مع: الفنان الفرنسي برنار آليكان، والياباني هازيكاوا وغيرهم.
ولقد كان لعمله على الخامة الدور الأبرز في تطوير بحثه التشكيلي، سواء في عمله على الخامة التقليدية، مثل عجائن الألياف النباتية المصرية، أو في عمله على الورق اليدوي الياباني التقليدي، الموسوم بـ”الواشي“ (في منحة دراسية من ”مؤسسة اليابان“). ولقد كان لأبي النجا مع الشاعر شربل داغر تجربة مميزة، في مشغله في الإسكندرية (2001)، طلب فيها الفنان من الشاعر العمل معه، انطلاقاً من قصيدة طويلة للشاعر، بعد أن وجد في قصيدة داغر ”قصيدة محسوسة“، تتناول الوجود في حسيته الفيزيائية، في خاماته الطبيعية، على أنها حاملة تعبير إنساني وجمالي. هذا ما يعمل عليه أبو النجا، وهذا ما وجده في القصيدة. وهو ما بلغ عدة دفاتر فنية مصنوعة باليد، فضلاً عن أعمال جديدة، منها تجهيزات ورقية انطلاقاً من شعر داغر.
يقول الناقد جاك الأسود (لبنان) في تقديم عمل أبي النجا عن داغر: "أول ما رأيت من أعمال محمد فتحي أبي النجا كراسان صنعهما مهاداً وشكلاً ولوناً ليرافقا-يحملا شعراً طلب الفنان من الشاعر شربل داغر أن يخطهما بيده. أقول: "رأيت"، وكان يجب أن أقول: "لمست". في كل عمل من هذا النوع دعوة مغرية إلى اللمس يرافقها شعور واخز بأن اللمس ممنوع، بأنه يطيل، منذ الاحتكاك الأول، انتهاك حرمة. وهذه، في حالة المخطوط، منتهكة منذ البداية: على خلاف المطبوعات، يتصف المخطوط بخصوصية تكاد أن تصل إلى الحميمية (...). هو هذا التناقض الخلاق بين متانة التأليف وحساسية مرهفة تلامس الهلهلة وسرعة العطب. ما يتمسك به النظر خوف السقوط ويبقى قائماً "على شعرة"، قُلْ على نظرة. ولا تزيد هذا الشعور إلا وخزاً كثرة الخيوط، بل ربما الحبال، التي تتغلغل عبر هذه السطوح المهلهلة كما بعددها عروق نابضة وراء بشرة شفافة.
الأعزل وراء كل هذا هو التفكير الحسي المشحوذ أبداً على "فكرة" زواله" (من كتاب "تواشجات").
وهو ما عرضه في معارض خاصة مختلفة، في القاهرة وعَمان والإسكندرية وغيرها، دارت حول ما يندرج في ”خيال الكتاب“.
***
عرض مسرحي
تضمّنت فعاليات "الملتقى الدّولي للتعبير عن المتوسّطية"، الذي نظمته "جمعية الثقافة والفنون المتوسطية" بمدينة المنستير، بالساحل التونسي، في ربيع العام 2006 عرضاً أدبيّا موسيقيّاً ممسرحاً، قدّمته مجموعة "الجسر الصغير للبحوث الموسيقية والمشهدية"، و"استضافت" ضمنه باقة من قصائد الشاعر اللبناني شربل داغر، لتمتزج وتتحاور في بناء دراميّ متكامل مع نصوص وموسيقى الشاعر التونسي سالم اللبّان، مؤسس المجموعة ومخرج العرض.
"عتبات للرّحيل... وللوصول أيضا": هكذا اختار الشاعران، من قبل أن يلتقيا، أن يمهرا هذا العرض الذي دار بحضور الشاعر الضّيف، والذي قال فيه مخرجه: "‘إنه العرض الرّابع في مسيرة المجموعة، فقد كان أوّل ظهور لنا سنة 2003 بمدينة تونس العتيقة، وكانت الباكورة بعنوان "جسر لقراءة أخرى". ثمّ قدّمنا "سواقي" سنة 2004، و"الثّنيّة" سنة 2005. كل هذه العروض تركزت فعلا على نصوصي. ولكن هاجس التّثاقف والحوار كان دائما هاجس المجموعة. وفي هذا العرض، بدأنا مرحلة جديدة في هذه المسيرة. حيث استضافت المجموعة لأوّل مرّة، إنشاء لمبدع من خارجها. ولقد أسعدني فعلا أن نبدأ بالشّاعر اللبناني شربل داغر، في حوار بين نصّه ونصّي، عبر ضفّتين من ضفاف البحر الأبيض المتوسّط، في كنف الصّداقة الخالصة".
وحول اختياره لشعر داغر قال اللبان: "أساسا لكون نصّه حمّال هاجس إضافة. ثمّ لما في عالمينا من نقاط التقاء، خاصة من حيث قوة الإحساس بالغربة والبحث عن سبل تجاوزها، وفي حضور البحر كقيمة استعاريّة معبّرة عن تجربتينا.
الحوار التثاقفي إذن هاجس أساسي لدينا، تماما كهاجس البحث الفنّي، منه تستمدّ مجموعة الجسر الصّغير شرعية انتمائها إلى مجموعات البحث. فلمّا أنشأتها سنة 2002 لم يكن هدفي استعراض مهاراتي، بقدر ما كان السعي إلى تطوير ممارستي الفنّية الجماليّة بجوانبها التشكيلية والمسرحية والموسيقية والشعرية. لا أنكر طبعا أنّني أسعى، من ناحية ثانية، إلى استغلال ما أقوم به من بحث في هذا الاتّجاه لمحاولة إضافة لبنة ما إلى كيفيّة تصوّر وبناء العرض المشهديّ أدبيّا كان أم موسيقيّا أم مسرحيّا.
كانت تجربتي الذاتية دائما منطلقا لكلّ نشاطي. ولكنّني في الحقيقة أنبذ الانغلاق. ويهمني كثيرا أن أنفتح على الآخر، قريبا كان أم أقلّ قربا. لأنّ في الاحتكاك به وبإنشائه ثراء.
قد لا تجدين، في هذا الزّمان المتقوقع، شاعرا يهب صوته ومشاعره لقراءة شعر غيره من الشعراء الأحياء خاصّة. ولكنّني أنا يا سيّدتي أفعل هذا وأعتبره شرفا لي. ولكن فقط مع النّص الحامل لهاجس إضافة وتجديد"
(رفيقة البحوري، جريدة "العرب" الدولية، 2006).
***