فاروق يوسف : حين يستدعي الشعر أسرار الرسم

 

يستدعي الشعر الرسم لا بصفته التصويرية، كونه فضاء وصفياً، بل يمضي إلى مناطقه الإيجابية، متسلحاً بوهم ما يخفى عادة عن النظر. أما الرسم فإنه يستدعي الشعر لا بصفته منتجاً للصور الرمزية، بل إنه يخلص إلى الواقعة البصرية من جهة مغزاها، مصدر الإلهام. الإلهام هنا يقابل الإيحاء هناك. علاقة تضج بالأسئلة التي تنأى عن البداهة، وتؤمى بعصى الخلاصة. فما لا يقوله الشعر لا يمكن سوى القبول بامتناعه، وما لا يظهره الرسم لا يمكن سوى الاسترسال الظني في غيابه. وما يقرأ من الشعر ليس سوى شكله الكتابي، كذلك فإن ما يرى من الرسم ليس سوى تجسيده التقني. الأمر في الحالين يتعلق بالعلامات التي هي ضرورية أحياناً، بذاتها ولكنها غالباً ما تقود إلى سوء فهم عظيم حين تزاح عن مناطق صمتها. فالشعر والرسم فنان يلتمسان الوهم بضراوة عصفه، وليس هناك أشد تعبيراً عن احتدام هذه العلاقة من الرسم والشعر اليابانيين. ولهذه المغامرة الفذة أصولها النابعة من أرض الثقافة اليابانية التي هي ليست ثقافة كلمة فحسب، ولا هي ثقافة صورة منفردة، بل هي الإثنان معاً. أما الثقافة العربية فإنها لم تشهد إلا تجارب قليلة في هذا الاتجاه، وكانت هذه التجارب لا تعبر عن تلاق تلقائي، بل سيرها القصد المسبق إلى متحفها الفني المغلق، تاركاً حياتها خلفه. فإما ان يتعكز الرسم على الشعر ليمتص منه رحيقه التوضيحي، وإما أن يستأنفه تعبيرياً. وفي الحالين فإن الرسام إنما يعيد صياغة ما يقرأه، كتابة، صورياً. وكأنه يستعيد صوراً من منطقة أخرى، غير تلك التي يطلبها الرسام. الرسام هنا يلعب دور المتلقي الذي يستمد مادة إيقاعه من ما كان يقع خارجه. وهو ما كان لا يتسع للعبته لذلك فإنه غالباً ما يضيق ذرعاً بحركته المقيدة ليشطح بعيداً في تأويل النص صورياً.
لأن الشاعر شربل داغر والرسام البحريني جمال عبد الرحيم يطرقان باب المحاولة بأسلوب مختلف. "رشم" عنوان غريب لهذه المحاولة. وفي عودة إلى "لسان العرب"، من أجل فك الإلتباس وتوضيح القصد، نقرأ في مادة رشم": "رشم إليه رشماً: كتب. وقيل: رشم كل شيء علامته والرسم والرشم هو الأثر. والروشم: الطابع. والرشم: الذي ليس بخالص اللون ولا حرة، والرشم: الذي يكون في ظاهر اليد والذارع بالسواد. الرشم أن ترشم يد الكردي والعلج كما توشم يد المرأة بالنيل لكي تعرف بها. وهي كالوشم".
هذه المتاهة اللغوية لا تزيدنا تعرفاً، بل تفتح أمامنا أبواباً غير متوقعة للحيرة. وهي جزء مما يرمي إليه الشعر والرسم معاً. حيث يكون سرهما قائماً على الرجاء الذي لن يتأخر في استجابته. أحجية الخفاء هذه يرممها الشاعر والرسام معاً، طلباً للتسلية وفك الاشتباك، في حين لا يتأخر الشعر أو الرسم في ابتكار شكلانيتهما. هذه الشكلانية التي لا تفصح عن الدافع، ولا عن الهدف، بل تعمل على تأخير وقوعهما. يقول الشاعر داغر: "طلبت من الرسام شيئاً يتعدى القصيدة نفسها، وهو اجتماع الكتابة والتصوير في آن. ولقد وجدت في لفظ "رشم" العربي القديم، ولكن المتجدد الحضور دلالات كافية، بل متعددة، تفي بغرض هذا العمل الفني، كما تجيب كذلك عن نزوعات القصيدة".
الشاعر هنا يكشف عن معرفته المشوبة بالقلق بحجم المشكلة، وهي في الحقيقة فإن الشاعر إنما يتماهى مع حساسية المفكر الجمالي الذي يسكنه. وما يجب أن نؤكد عليه هو أن شربل داغر على الرغم من دراسته الأكاديمية المتخصصة فإن صلته بالفن تستند في جزء عظيم منها إلى الحدس، وإلى معرفة روحية بالفن. هذه المعرفة التي تتخطى الأصول صارت تؤهله لا للحكم النقدي الصارم وهو ما يتفاداه، بل للتسلل إلى قلب الترعة الفنية الغائرة والذهاب أبعد من القشرة الخارجية. إنه يراهن على الوهم في الرسم، مثلما راهن عليه في الشعر. لكن هذه اللعبة لا يمكن أن تكون واضحة تماماً. وخصوصاً وأن هناك طرفاً آخر، طرفاً أساسياً، يكاد يمتلك المفاتيح كلها، هو الرسم. وهو طرف لا يمكن انتهاك عوالمه الغامضة بيسر. لقد اختار داغر رساماً عصياً على الترويض، لا ينصت إلا لنداء صوته الداخلي، وهو صوت وحشي من شدة معاشرته للبحر. لذلك فقد كتب شربل داغر قصيدة بحرية من جهة إقامته البرية، في حين رسم جمال عبد الرحيم رسوماً برية من جهة إقامته البحرية. كل واحد منهما كان يرى الآخر من جهة إقامته، مشدوداً إلى عصف مغامرته. وفي غمرة هذا التجاذب العنيف بين طرفين عصيين تشكلت محاولة "رشم"، وهي لم تقرر انحيازاً معلوماً للشعر كما للرسم. يقول داغر في قصيدته:
"كأنني منارة على المحيط
لها الاتجاهات كلها
مقيمة ومسافرة،
في آن."
ما توقعه الشاعر حدساً، أنجزه الرسام شكلياً. وهو فعل استدعاء لقوة الشعر الخفية أكثر مما هو استحضار لمعاني الشعر. لقد انقذ الرسام جمال عبد الرحيم الشعر من معانيه واعتبره هبة غامضة. وهو كذلك حقاً، ولكن من منطلق الشعرية العميقة. فكان الرسام حريصاً على إبقاء الشعر في وسطه الساحر من غير أن يمارس عليه أية وصاية تأويلية تقربه من ادعاء الامساك بضالته المفقودة. لقد قاد الرسام الشعر إلى مناطق مجهولة من جسده. فكان بمثابة الراعي الذي يطلق نغمات نايه في فضاء ممتلئ بالتأوهات الساحرة. جمال عبد الرحيم أغرى القصيدة في الوقوع في فخ تجسيدي لم تكن لتتوقعه. وهو قدرها المضمر، وسطحها الغائر.
قرأ الرسام القصيدة من جهة خفتها البلاغية، وهي التي تتستر وراء ثقلها. قبض عليها وهي في حالة تخل عن انهماكها في تفسير ضروراتها. أمسك بها عارية وكأنها لم تتشكل بعد. التقط أصواتها واخترع إيقاعاً شكلياً لهذه الأصوات. رآها وكأنها لم تعش خلوتها التعبيرية من قبل. وهي في هذه الحالة لا تنظر إلى اللوحة وكأنها تنظر في المرآة، بل ترى في اللوحة إلهامها المستعاد. وهكذا تكون المسافة التي تفصل ما بينهما هي مسافة مصنوعة عن قصد مبيت، وليست محتمى بسبب الاختلاف اللغوي. عن طريق هذه المسافة أظهر الرسام ميله الجامح إلى إيقاف نمو القصيدة داخل بنيتها اللغوية لتبدأ هذا النمو داخل لغة أخرى هي لغة الرسم.
محاولة "رشم" تبتكر مسلكاً جديداً لصلة الرسم بالشعر. لا لأن الشاعر والرسام قد صنعا مؤامرتهما متكافئين فحسب، بل كل واحد منهما، بمعزل عن الآخر، قد مضى إلى عالمه وهو يعرف جيداً أن ليس في انتظاره إلا قدر خفي لا شكل له، خفيفاً وشفافاً كما لو أنه لم يولد بعد. أيضاً شربل داغر، شاعراً، وجمال عبد الرحيم، رساماً، صنعاً معاً لقية غامضة اسمها "رشم".

(جريدة "الحياة"، لندن، 21 شباط-فبراير 2001).