رفيقة البحوري : أمواج المتوسّط تعزف لحن التّلاقي
نظَّّمت "جمعيّة الثقافة والفنون المتوسّطيّة"، في إطار "الملتقى الدّولي الرّابع للتّعبيرات الثقافيّة والفنّية عن المتوسّطيّة"، سهرة قدمتها مجموعة "الجسر الصّغير للبحوث الموسيقيّة والمشهديّة"، كان عنوانها: "عتبات للرحيل....وللوصول أيضا". ورغم أنّ العبور كان على عتبات "الجسر الصغير"، إلا أن السّهرة أصابتنا ببعض الدّوار: دوار من انفتحت أمامه فجوة في الزّمن المعتاد، في روتين الحياة المكرورة. كانت مساحة للخدر اللذيذ الذي يشعر به من يركب البحر بحثا عن متعة الفكر والرّوح، من يريد أن يصل بين ضفتي المتوسط ليغنم ما ينعش النفس من إبداعات شعوب لم يفصل بينها البحر بقدر ما قرّب.
منذ الوهلة الأولى نقلتنا أشياء البحر التي تراءت على الرّكح عبر الضوء الأزرق الخافت إلى عالم الحلم والمتعة: مركب شراعي صغير، حبال، شباك، سراج... ثمّ ظهر الصّيّاد، قدماه على البرّ وروحه في أعماق البحر: ينظر وينتظر، يتأمّل ويأمل، يحدّق في البعيد ويحلم بالآتي. والآتي جسّده عزف منفرد يهزّ الوجدان، ويذكّر بأصوات عرائس البحر، وبدعوتها الدّائمة إلى السفر في سحيق الحلم وأقاصي المتعة.
ثمّ رحلنا مع الصّيّاد (سالم اللبّان) ومجموعته عبر عالمين متكاملين في اختلافهما: عالم الشاعر سالم اللبّان في انشداده إلى ذكريات الطّفولة على شواطئ المنستير (بالساحل التّونسي)، وعالم الشّاعر شربل داغر المنغرس في شواطئ بيروت اللبنانية، محطّة السّفر الدّائم والبحث عن الأقاصي المجهولة.
بيروت والمنستير مدينتان تطلاّن على المتوسّط، تتشرّبان سماته، وتلبسان لبوس حضاراته المتعدّدة، تأخذان ما أشرق وراق من عادات فينيقية، يونانية، رومانيّة، عربيّة؛ ديدنهما الالتفات إلى البحر والوفاء له، تسرّبان حبّه لأبنائهما فينشؤون على الإيمان به مصدرا للحياة والمغامرة، ومنبعا للوجود والعدم.
والمتوسّط هو نداء دائم لتلاقي الأرواح التي يجمعها حبّه على كلّ ضفافه، ودعوة دائمة للسّفر واكتشاف الآخر. فلا غرابة أن يتواصل سالم اللبّان وشربل داغر في حضرة البحر. إذ لا قيمة لأيّ اختلاف في الانتماء الدّيني أو القومي ولا مفرّق إذا عزفت أمواج المتوسّط أنشودة اللقاء والائتلاف (...).
هذا التّوق الذي انطلق من الضفّة الجنوبية للمتوسط، والذي تغنّت به المجموعة واستمدّت منه اسمها، رجّع صداه من الضفّة الشرقيّة شعر شربل داغر. وقصائد هذا الشاعر تغوص عميقا في وجدان الفرد، وتكشف الإحساس الأليم بالعزلة في الحياة المعاصرة، ومعاناة الغربة بأبعادها المختلفة، غربة الإنسان في الكون، وغربته في المجتمع، وغربته في كيانه الأوّل: جسده. ولا منقذ من هذه الغربة إلاّ البحث عن الآخر، ولا وسيلة إلا اللغة/الشعر (...).
يشترك الشاعران في الإحساس بأنّ الأنا يظلّ منقوصا ما لم يلتحم بالآخر ويعبّران في شعرهما عن الرّحلة الصّعبة المفضية إلى هذا الالتحام، ويشتركان أيضا في توظيف البحر، منه يستمدّان صورهما الشعرية، ويغرفان من معجمه يثريان به لغتيهما، إلاّ أنّهما يختلفان في أسلوب التعبير وفي العالم الشعري الذي ينطلقان منه.
لقد اختار سالم اللبان أن يوظّف في شعره كلّ ما هو تلقائيّ من ذكريات الطّفولة وحنان الأمومة وإيقاع الحياة الشعبية في تجاربها اليوميّة. اختار أن ينهل من حكمة التّأمّل المباشر في الحياة وأن يكون ألصق باللغة المتداولة والفضاءات المحلّية، وسعى إلى تقديم التّجربة طازجة مغمّسة بالواقع لا غرابة فيها ولا تغريب، في حين مال شربل داغر إلى التّجريد في الصّياغة. فالكتابة عنده هي "سباحة في الماء لا تقوم فيها حدود بيّنة"، فهو "عوليس" يستقصي نفسه في السّفر، "في الابتعاد لا في القربى الأليفة التي تخفي أكثر ممّا تظهر" (...).
شربل داغر يكتب "مخاتلاً... مراهنا أكثر (منه) صادحا بالأقوال الأكيدة". لا معنى واضح في ما يكتب، ولا دلالة ثابتة نقرّها وإنّما هي تكهّنات واحتمالات لتدلال تشعّ به الصور وإشراقات للدلالة تفجّرها الكلمات، فنتواصل معها لما تبثّه في وجداننا من إحساسات وانفعالات وخيالات. وقد استطاع الإلقاء والأداء أن يكثّف ذلك التأثير ويسهل التواصل مع هذه التجربة رغم صعوبة التعامل مع بعض القصائد التي لا تقدَم معاني ملموسة يمكن تجسيدها.
قد يرى البعض في هذا العرض نقائص من وجهة نظر مسرحية، وممّا لا أستطيع أن أدلي فيه بدلوي، ولكنَ من كان مثلي لا سلطان إلاّ للشعرعليه، لا يمكن إلاّ أن يباركه. لأنه استطاع أن يلقي على القصاائد ألقا جديدا، وجعل لها تأثيرا إضافيّا. وأخصّ بالذكر القصائد النثريّة. ذلك أنّ الكلمات في هذه القصائد تنأى عن السياقات الموضوعة لها، وتبتعد عن الاستعمالات المعروفة، لذلك تحدث صعوبة في التلقي.
من المعروف، أن ظاهرة الغموض والافتقار إلى آليات الإنشاد التقليديّة قد أفقدت الشعر الحديث جماهريته وانتشاره، وقد لاحظنا أنّ العرض قد ساهم في خلق آليات تواصل جديدة مع المتلقّي، تقوم أساسا على الفضاء الركحي والديكور والحركة والإشارة، ممّا ساعد على تفاعل أفضل مع القصائد.
وفي الختام يمكن أن نقول إنّ هذه التجربة التي استطاعت أن تجمع بين الشاعر سالم اللبّان والشاعر شربل داغر، وأن تقرّب بين ضفاف المتوسّط، استطاعت كذلك أن تقرّب بين الفنون. لقد استطاعت مجموعة "الجسر الصغير" في هذا العرض أن تمدّ جسورا بين الفنون وتقدّم إبداعا جامعا تتكامل فيه الأساليب المختلفة والمميّزة للمسرح والموسيقى والشعر.
(د. رفيقة البحوري، أستاذة الأدب الحديث في جامعة سوسة، جريدة "العرب" الدولية، 2006).